Get Adobe Flash player

مكفّـرات الذنوب(3)

 

 

في العدديْن السابقيْن تناولنا- بفضل الله تعالى- الحديث عن مكفّرات الذنوب في القرآن الكريم، وذكرنا من ذلك عشرة أمور، وهذا هو موعدنا لنستكمل الحديث عن باقي مكفّرات الذنوب التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، فنقول وبالله تعالى التوفيق:

الحادي عشر: بالعفو والصفح تُغفر الذنوب

1- قال اللَّه تعالى: «وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (النور: 22). «وَلا يَأْتَلِ» أي: لا يحلف. «أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا»: كان من جملة الخائضين في الإفك «مسطح بن أثاثة»، وهو قريب لأبي بكر الصديق، وكان مسطح فقيرًا من المهاجرين في سبيل اللَّه، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه؛ لقوله الذي قال، فنزلت هذه الآية، ينهاهم عن هذا الحلف المتضمّن لقطع النفقة عنه، ويحثّه على العفو والصفح، ويعده بمغفرة اللَّه إن غفر له، فقال: «أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» إذا عاملتم عبيده بالعفو والصفح، عاملكم بذلك، فقال أبو بكر- لمّا سمع هذه الآية-: بلى، واللَّه إني لأحب أن يغفر اللَّه لي، فرجَّع النفقة إلى مسطح، وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان، والحثّ على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم.

2- وقال اللَّه تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (التغابن: 14). وهذا تحذير من اللَّه للمؤمنين، من الاغترار بالأزواج والأولاد، فإن بعضهم عدو لكم، والعدو هو الذي يريد لك الشر، ووظيفتك الحذر ممّن هذا وصفه، والنفس مجبولة على محبة الأزواج والأولاد، فنصح سبحانه عباده أن توجب لهم هذه المحبة الانقياد لمطالب الأزواج والأولاد، ولو كان فيها ما فيها من المحذور الشرعي، ورغبهم في امتثال أوامره، وتقديم مرضاته بما عنده من الأجر العظيم المشتمل على المطالب العالية، وأن يؤثروا الآخرة على الدنيا الفانية المنقضية، ولمّا كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: «وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فمَن عفا عفا اللَّه عنه، ومَن صفح صفح اللَّه عنه، ومَن غفر غفر اللَّه له، ومَن عامل عباد الله كما يحبّون وينفعهم، نال محبة اللَّه ومحبة عباده، واستوثق له أمره.

الثاني عشر: التجارة بالأعمال الصالحة تنجي من عذاب الله وتكفّر الذنوب

1- قال اللَّه تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» (الصف: 10- 13). وهذه وصية ودلالة وإرشاد من الله لعباده المؤمنين لأعظم تجارة وأجلِّ مطلوب وأعلى مرغوب، يحصل بها النجاة من العذاب الأليم، والفوز بالنعيم المقيم.

وأتى بأداة العرض الدالّة على أن هذا أمر يرغب فيه كل متبصّر، ويسمو إليه كل لبيب، فكأنه قيل: ما هذه التجارة التي هذا قدرها؟ فقال: «تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»: ومن المعلوم أن الإيمان التامّ هو التصديق الجازم بما أمر اللَّه بالتصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، ومن أجلّ أعمال الجوارح الجهاد في سبيل اللَّه؛ فلهذا قال: «وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ» بأن تبذلوا نفوسكم ومُهجكم لمصادمة أعداء الإسلام، ويكون القصد هو نصر دين اللَّه وإعلاء كلمته، وتنفقون ما تيسّر من أموالكم في ذلك المطلوب؛ فإن ذلك- ولو كان كريهًا للنفوس وشاقًا عليها، فإنه «خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ»؛ فإن فيه الخير الدنيوي من النصر على الأعداء، والعزّ المنافي للذّل والرزق الواسع، وسعة الصدر وانشراحه... وفي الآخرة الفوز بثواب اللَّه، والنجاة من عقابه؛ ولهذا ذكر الجزاء في الآخرة، فقال: «يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ»، وهذا شامل للصغائر والكبائر؛ فإن الإيمان باللَّه والجهاد في سبيله، مكفّر للذنوب ولو كانت كبائر. «وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ» أي: من تحت مساكنها وقصورها وغرفها وأشجارها، أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفّى، ولهم فيها من كل الثمرات، «وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ» أي: جمعت كلّ طيب، من علوٍّ وارتفاعٍ، وحُسن بناء وزخرفة، حتى إن أهل الغرف من أهل علِّيين، يتراءاهم أهل الجنة كما يتراءى الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي، وحتى إن بناء الجنة بعضه من ذَهَبٍ، وبعضه من فضة، وخيامها من اللؤلؤ والمرجان، وبعض المنازل من الزمرّد والجواهر الملوّنة بأحسن الألوان، حتى إنها من صفائها يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، وفيها من الطيب والحُسن ما لا يمكن أن يدركوه حتى يروه، ويتمتّعوا بحُسنه، وتقرّ أعينهم به، ففي تلك الحالة، لولا أن اللَّه خلق أهل الجنة، وأنشأهم نشأة كاملة لا تقبل العدم، لأوشك أن يموتوا من الفرح. «جَنَّاتِ عَدْنٍ»: وسمّيت الجنة جنة عدن، لأن أهلها مقيمون فيها لا يخرجون منها أبدًا، ولا يبغون عنها حولاً، ذلك الثواب الجزيل والأجر الجميل والفوز العظيم الذي لا فوز مثله، هو الثواب الأخروي.

وأما الثواب الدنيوي لهذه التجارة، فذكره بقوله: «وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا» أي: ويحصل لكم خصلة أخرى تحبونها، وهي: «نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ» لكم على الأعداء، يحصل به العزّ والفرح، «وَفَتْحٌ قَرِيبٌ» تتسع به دائرة الإسلام، ويحصل به الرزق الواسع، فهذا جزاء المؤمنين المجاهدين، وأما المؤمنون من غير أهل الجهاد، إذا قام غيرهم بالجهاد، فلم يؤيّسهم اللَّه تعالى من فضله وإحسانه، بل قال: «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» أي: بالثواب العاجل والآجل، كلّ على حسب إيمانه، وإن كانوا لا يبلغون مبلغ المجاهدين في سبيل اللَّه، كما قال النبي: (إن في الجنة مائة درجة ما بين كلّ درجتيْن كما بين السماء والأرض، أعدّها الله للمجاهدين في سبيله).

2- وقال اللَّه تعالى: «فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ» (آل عمران: 195). لمّا جمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال، طلبًا لمرضاة ربّهم، وجاهدوا في سبيل اللَّه. كان الجزاء «لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل. «وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ» ممّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمَن أراد ذلك، فليطلبه من اللَّه بطاعته والتقرّب إليه، بما يقدر عليه العبد.

الثالث عشر: التقوى والقول السديد تصلح به الأعمال وتغفر به الذنوب

1- قال اللَّه تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا» (الأحزاب: 70- 71). يأمر الله تعالى المؤمنين بتقواه، في جميع أحوالهم، في السرّ والعلانية، ويخصُّ منها ويندب للقول السديد، وهو القول الموافق للصواب، أو المقارب له، من قراءة وذكر وأمر بمعروف ونهي عن منكر وتعلّم علم وتعليمه، والحرص على إصابة الصواب في المسائل العلمية، وسلوك كلّ طريق يوصل لذلك، وكل وسيلة تعين عليه... ومن القول السديد: لين الكلام ولطفه في مخاطبة الأنام، والقول المتضمّن للنصح والإشارة بما هو الأصلح.. ثم ذكر سبحانه ما يترتّب على تقواه وعلى قول القول السديد فقال: «يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ» أي: يكون ذلك سببًا لصلاحها، وطريقًا لقبولها؛ لأن استعمال التقوى تتقبّل به الأعمال، كما قال تعالى: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ». ويوفّق فيه الإنسان للعمل الصالح، ويصلح اللّه الأعمال أيضًا بحفظها عمّا يفسدها، وحفظ ثوابها ومضاعفته، كما أن الإخلال بالتقوى، والقول السديد سبب لفساد الأعمال، وعدم قبولها، وعدم تَرَتُّبِ آثارها عليها. «وَيَغْفِرْ لَكُمْ» أيضًا «ذُنُوبَكُمْ» التي هي السبب في هلاككم، فالتقوى تستقيم بها الأمور، ويندفع بها كلّ محذور؛ ولهذا قال: «وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا».

2- وقال اللَّه تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (الحديد: 28). وهذا الخطاب، يُحتمل أنه خطابٌ لأهل الكتاب الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام، يأمرهم أن يعملوا بمقتضى إيمانهم، بأن يتقوا اللَّه فيتركوا معاصيه، ويؤمنوا برسوله محمّد، وأنهم إن فعلوا ذلك أعطاهم اللَّه «كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ» أي: نصيبيْن من الأجر، نصيب على إيمانهم بالأنبياء الأقدمين، ونصيب على إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

ويُحتمل أن يكون الأمر عامًا يدخل فيه أهل الكتاب وغيرهم، وهذا هو الظاهر، وأن اللَّه أمرهم بالإيمان والتقوى الذي يدخل فيه جميع الدين، ظاهره وباطنه، أصوله وفروعه، وأنهم إن امتثلوا هذا الأمر العظيم، أعطاهم اللَّه «كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ» لا يعلم وصفهما وقدرهما إلا اللَّه تعالى: أجر على الإيمان وأجر على التقوى، أو أجر على امتثال الأوامر وأجر على اجتناب النواهي، أو أن التثنية المراد بها تكرار الإيتاء مرّة بعد أخرى. «وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ» أي: يعطيكم علمًا وهدى ونورًا تمشون به في ظلمات الجهل، ويغفر لكم السيئات. «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» فلا يُستكثر هذا الثواب على فضل ذي الفضل العظيم، الذي عمّ فضله أهل السماوات والأرض، فلا يخلو مخلوق من فضله طرفة عين ولا أقل من ذلك.

الرابع عشر: الحسنات يذهبن السيّئات

- قال اللَّه تعالى: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ» (هود: 114). يأمر تعالى بإقامة الصلاة كاملة «طَرَفَيِ النَّهَارِ» أي: أوله وآخره، ويدخل في هذا، صلاة الفجر، وصلاتا الظهر والعصر، «وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ» ويدخل في ذلك صلاة المغرب والعشاء، ويتناول ذلك قيام الليل، فإنها ممّا تزلف العبد، وتقربه إلى اللَّه تعالى. «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ» أي: فهذه الصلوات الخمس، وما ألحق بها من التطوّعات من أكبر الحسنات، وهي: مع أنها حسنات تقرّب إلى اللَّه، وتوجب الثواب، فإنها تُذهب السيئات وتمحوها، والمراد بذلك: الصغائر، كما قيّدتها الأحاديث الصحيحة عن النبي- صلى الله عليه وسلم-، مثل قوله: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر»، بل كما قيّدتها الآية التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا».

الخامس عشر: يغفر اللَّه للمسلمين والمسلمات والذاكرين اللَّه كثيرًا والذاكرات

- قال اللَّه تعالى: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا» (الأحزاب، الآية: 35). «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ» وهذا في الشرائع الظاهرة، إذا كانوا قائمين بها، «وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ» وهذا في الأمور الباطنة، من عقائد القلب وأعماله، «وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ» أي: المطيعين والمطيعات للّه ولرسوله، «وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ» في مقالهم وفعالهم، «وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ» على الشدائد والمصائب، «وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ» في جميع أحوالهم، خصوصًا في عباداتهم، وخصوصًا في صلواتهم، «وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ» فرضًا ونفلاً، «وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ» عن الزنا ومقدّماته، «وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ» أي: في أكثر الأوقات، خصوصًا أوقات الأوراد المقيّدة، كالصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبات. «أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ» أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعدّ وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، التي مَن قام بهن فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، وبالإسلام والإيمان والإحسان. فجازاهم على عملهم بِالْمَغْفِرَةِ لذنوبهم؛ لأن الحسنات يُذهبن السيّئات. «وَأَجْرًا عَظِيمًا» لا يقدّر قدره إلا الذي أعطاه، ممّا لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل اللّه أن يجعلنا منهم.

السادس عشر: يغفر اللَّه لمن يشاء ما دون الشرك

- قال اللَّه تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا» (النساء: 48). وقال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا» (النساء، الآية: 116). أي أنه تعالى لا يغفر لمن أشرك به أحدًا من المخلوقين، ويغفر ما دون الشرك من الذنوب صغائرها وكبائرها، وذلك عند مشيئته مغفرة ذلك، إذا اقتضت حكمتُه مغفرتَه. فالذنوب التي دون الشرك قد جعل اللَّه لمغفرتها أسبابًا كثيرة، وهذا بخلاف الشرك، فإن المشرك قد سدّ على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئاً، وما لهم يوم القيامة من شافعين ولا صديق حميم، ولهذا قال تعالى: «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا» أي افترى جرمًا كبيرًا، «وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا»، وأي ظلم أعظم ممّن سوّى المخلوق بالخالق؟ وقد قال تعالى: «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ»، وهذه الآية الكريمة في حق غير التائب، وأمّا التائب فإنه يُغفر له الشرك فما دونه، كما قال تعالى: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا» أي لمن تاب إليه وأناب.

والحمد لله أولاً وآخرًا