Get Adobe Flash player

مكفــّرات الذنـــوب(2)

 

في العدد السابق تناولنا الحديث عن مكفّرات الذنوب في القرآن الكريم، وذكرنا من ذلك ثمانية أمور، وهذا هو موعدنا لنستكمل الحديث عن باقي مكفّرات الذنوب التي ورد ذكرها في القرآن الكريم فنقول وبالله تعالى التوفيق:

تاسعًا: التوبة النصوح تبدَّل بها السيّئات حسنات

1- قال اللَّه تعالى: «إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» (الفرقان: 70). «إِلا مَنْ تَابَ» عن المعاصي وأقلع عنها في الحال، وندم على ما مضى له من فعلها، وعزم عزماً جازماً أن لا يعود، «وَآمَنَ» باللَّه إيماناً صحيحاً يقتضي ترك المعاصي، وفعل الطاعات «وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا» ممّا أمر به الشارع إذا قصد به وجه اللَّه. «فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ» أي: تتبدّل أفعالهم وأقوالهم التي كانت مستعدّة لعمل السيئات تتبدل حسنات، فيتبدل شركهم إيماناً، ومعصيتهم طاعة، وتتبدل نفس السيئات التي عملوها، ثم أحدثوا عن كلّ ذنب منها توبة وإنابة وطاعة تبدل حسنات كما هو ظاهر الآية. و«عَنْ أَبِي ذَرٍّ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ [: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ. قَالَ: فَتُعْرَضُ عَلَيْهِ وَيُخَبَّأُ عَنْهُ كِبَارُهَا، فَيُقَالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مُقِرٌّ لَا يُنْكِرُ، وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنَ الْكِبَارِ، فَيُقَالُ: أَعْطُوهُ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمِلَهَا حَسَنَةً»، قَالَ: «فَيَقُولُ: إِنَّ لِي ذُنُوبًا مَا أَرَاهَا». قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ»، «وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا» لمن تاب يغفر الذنوب العظيمة «رَحِيمًا» بعباده؛ حيث دعاهم إلى التوبة بعد مبارزته بالعظائم، ثم وفقهم لها ثم قبلها منهم.

2- وقال اللَّه تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (التحريم: 8). في هذه الآية، أمر اللَّه بالتوبة النصوح، ووعد عليها بتكفير السيّئات، ودخول الجنات، والفوز والفلاح، حين يسعى المؤمنون يوم القيامة بنور إيمانهم، ويمشون بضيائه، ويتمتّعون بروحه وراحته، ويشفقون إذا طفئت الأنوار التي تعطى المنافقين، ويسألون اللَّه أن يتمّم لهم نورهم، فيستجيب اللَّه دعوتهم، ويوصلهم بما معهم من النور واليقين إلى جنات النعيم، وجوار الربّ الكريم، وكل هذا من آثار التوبة النصوح.

3- وقال اللَّه تعالى: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» (النحل: 119). وهذا حضٌّ منه سبحانه لعباده على التوبة، ودعوة لهم إلى الإنابة، فأخبر أن مَن عمل سوءًا بجهالة بعاقبة ما تجني عليه، ولو كان متعمّدًا للذنب، فإنه لا بدّ أن ينقص ما في قلبه من العلم وقت مفارقة الذنب، فإذا تاب وأصلح بأن ترك الذنب وندم عليه، وأصلح أعماله، فإن اللَّه يغفر له ويرحمه، ويتقبّل توبته ويعيده إلى حالته الأولى أو أعلى منها.

4- قال اللَّه تعالى: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» (طه، الآية: 82). أي: كثير المغفرة والرحمة، لمن تاب من الكفر والبدعة والفسوق، وآمن باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعمل صالحًا من أعمال القلب والبدن، وأقوال اللسان. «ثُمَّ اهْتَدَى» أي: سلك الصراط المستقيم، وتابع الرسول الكريم، واقتدى بالدين القويم، فهذا يغفر اللَّه أوزاره، ويعفو عمّا تقدّم من ذنبه وإصراره؛ لأنه أتى بالسبب الأكبر، للمغفرة والرحمة، بل الأسباب كلها منحصرة في هذه الأشياء؛ فإن التوبة تجبّ ما قبلها، والإيمان والإسلام يهدم ما قبله، والعمل الصالح الذي هو الحسنات، يُذهب السيّئات، وسلوك طرق الهداية بجميع أنواعها، من تعلّم علم، وتدبّر آية أو حديث، حتى يتبيّن له معنى من المعاني يهتدي به، ودعوة إلى دين الحق، وردّ بدعة أو كفر أو ضلالة، وجهاد وهجرة، وغير ذلك من جزئيات الهداية، كلها مكفّرات للذنوب محصّلات لغاية المطلوب.

5- قال اللَّه تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» (البقرة، الآية: 160).أي: رجعوا عمّا هم عليه من الذنوب، ندمًا وإقلاعًا، وعزمًا على عدم المعاودة، «وَأَصْلَحُوا» ما فسد من أعمالهم، فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن. ولا يكفي ذلك في الكاتم أيضًا حتى يبيّن ما كتمه، ويبدي ضدّ ما أخفى، فهذا يتوب اللَّه عليه؛ لأن توبة اللَّه غير محجوب عنها، فمن أتى بسبب التوبة، تاب اللَّه عليه؛ لأنه هو «التَّوَّابُ» أي: الرّجَّاع على عباده بالعفو والصفح بعد الذنب إذا تابوا، وبالإحسان والنعم بعد المنع إذا رجعوا، «الرَّحِيمُ» الذي اتصف بالرحمة العظيمة، التي وسعت كل شيء، ومن رحمته أن وفّقهم للتوبة والإنابة، فتابوا وأنابوا، ثم رحمهم بأن قبِل ذلك منهم، لطفاً وكرمًا، هذا حكم التائب من الذنب.

6- قال اللَّه تعالى: «فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (المائدة، الآية: 39). فيغفر لمن تاب فترك الذنوب، وأصلح الأعمال والعيوب، وذلك أن للَّه ملك السموات والأرض، يتصرّف فيهما بما شاء من التصاريف القدرية والشرعية، والمغفرة والعقوبة، بحسب ما اقتضته حكمته ورحمته الواسعة ومغفرته.

7- وقال اللَّه تعالى: «أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (المائدة، الآية: 74). أي: أفلا يرجعون إلى ما يحبّه الله ويرضاه من الإقرار له بالتوحيد، وبأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، عمّا كانوا يقولونه، «وَيَسْتَغْفِرُونَهُ» عن ما صدر منهم، «وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» أي: يغفر ذنوب التائبين، ولو بلغت عنان السماء، ويرحمهم بقبول توبتهم، وتبديل سيئاتهم حسنات. وصدّر دعوتهم إلى التوبة بالعرض الذي هو غاية اللطف واللين في قوله: «أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ».

عاشرًا: الكفّارات الواردة في القرآن تكفّر ذنوبها

1- التصدّق بالنفس، والجروح، والسنّ وما يصيبه: قال اللَّه تعالى: «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (المائدة: 45). «فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ» أي: بالقصاص في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح، بأن عفا عمن جنى، وثبت له الحق قبله. «فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ» أي: كفّارة للجاني؛ لأن الآدمي عفا عن حقه. واللَّه تعالى أحقّ وأولى بالعفو عن حقّه، وكفّارة أيضًا عن العافي، فإنه كما عفا عمّن جنى عليه، أو على مَن يتعلّق به، فإن اللَّه يعفو عن زلاّته وجناياته.

2- كفارة اليمين:قال اللَّه تعالى: «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (المائدة: 89). «لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ» أي: في أيمانكم التي صدرت على وجه اللغو، وهي الأيمان التي حلف بها المقسم من غير نيّة ولا قصد، أو عقدها يظنّ صدق نفسه، فبان بخلاف ذلك، «وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأيْمَانَ» أي: بما عزمتم عليه، وعقدت عليه قلوبكم، كما قال في الآية الأخرى: «وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ»، «فَكَفَّارَتُهُ» أي: كفارة اليمين الذي عقدتموها بقصدكم، «إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ» وذلك الإطعام «مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ» أي: كسوة عشرة مساكين، والكسوة هي التي تجزئ في الصلاة، «أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» أي: عتق رقبة مؤمنة كما قيّدت في غير هذا الموضع، فمتى فعل واحدًا من هذه الثلاثة فقد انحلت يمينه. «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» واحدًا من هذه الثلاثة «فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ» المذكور «كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ» تُكَفِّرها وتمحوها وتمنع من الإثم، «وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ» عن الحلف باللَّه كذبًا، وعن كثرة الأيمان، واحفظوها إذا حلفتم عن الحنث فيها، إلا إذا كان الحنث خيرًا، فمن تمام الحفظ: أن يُفعل الخير، ولا يكون يمينه عرضة لذلك الخير. «كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ» المبينة للحلال من الحرام، الموضّحة للأحكام «لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» اللهَ حيث علّمكم ما لم تكونوا تعلمون. فعلى العباد شكر الله تعالى على ما منَّ به عليهم، من معرفة الأحكام الشرعية وتبيينها.

3- كفارة قتل الصيد:قال اللَّه تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ» (المائدة: 95). «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ» أي: محرمون في الحج والعمرة، والنهي عن قتله يشمل النهي عن مقدّمات القتل، وعن المشاركة في القتل، والدلالة عليه، والإعانة على قتله، حتى إن من تمام ذلك أنه ينهى المحرم عن أكل ما قُتل أو صيد لأجله، وهذا كله تعظيم لهذا النسك العظيم، أنه يحرم على المحرم قتل وصيد ما كان حلالا له قبل الإحرام. «وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا» أي: من قتل صيدًا عمدًا فعليه «جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ» أي: الإبل، أو البقر، أو الغنم، فينظر ما يشبه شيئاً من ذلك، فيجب عليه مثله، يذبحه ويتصدّق به. والاعتبار بالمماثلة أن «يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ» أي: عدلان يعرفان الحكم ووجه الشبه، كما فعل الصحابة حيث قضوا في الحمامة شاة، وفي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش- على اختلاف أنواعه- بقرة، وهكذا كل ما يشبه شيئاً من النعم ففيه مثله، فإن لم يشبه شيئاً ففيه قيمته، كما هو القاعدة في المتلفات، وذلك الهدي لا بد أن يكون «هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ» أي: يذبح في الحرم. «أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ» أي: كفّارة ذلك الجزاء طعام مساكين، أي: يجعل مقابلة المثل من النعم، طعام يطعم المساكين، قال كثير من العلماء: يقوّم الجزاء فيشترى بقيمته طعامًا فيطعم كل مسكين مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صاع من غيره. «أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ» الطعام «صِيَامًا» أي: يصوم عن إطعام كلّ مسكين يومًا، «لِيَذُوقَ» بإيجاب الجزاء المذكور عليه «وَبَالَ أَمْرِهِ»، «وَمَنْ عَادَ» بعد ذلك «فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ»، وإنّما نصّ اللَّه على المتعمّد لقتل الصيد، مع أن الجزاء يلزم المتعمّد والمخطئ، كما هو القاعدة الشرعية- أن المتلف للنفوس والأموال المحترمة فإنه يضمنها على أي حال كان، إذا كان إتلافه بغير حق؛ لأن اللَّه رتب عليه الجزاء والعقوبة والانتقام، وهذا للمتعمّد. وأمّا المخطئ فليس عليه عقوبة، إنّما عليه الجزاء، وهذا جواب الجمهور على هذا القيد الذي ذكره اللَّه. وطائفة من أهل العلم يرون تخصيص الجزاء بالمتعمّد وهو ظاهر الآية. والفرق بين هذا وبين التضمين في الخطأ في النفوس والأموال في هذا الموضع الحق فيه لله، فكما لا إثم لا جزاء لإتلافه نفوس الآدميين وأموالهم. ولما كان الصيد يشمل الصيد البرّي والبحري، استثنى تعالى الصيد البحري فقال: «أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ».

4- كفارة الظهار: «وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (المجادلة: 3- 4). «وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا» اختلف العلماء في معنى العود، فقيل: معناه العزم على جماع مَن ظاهر منها، وأنه بمجرّد عزمه تجب عليه الكفارة المذكورة، ويدلّ على هذا أن اللَّه تعالى ذكر في الكفّارة أنها تكون قبل المسيس، وذلك إنما يكون بمجرّد العزم، وقيل: معناه حقيقة الوطء، ويدلّ على ذلك أن اللَّه قال: «ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا» والذي قالوا إنما هو الوطء... وعلى كلّ من القوليْن إذا وجد العود، صار كفارة هذا التحريم «تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ» مُؤْمِنَةٍ كما قيّدت في آية أخرى، ذكر أو أنثى، بشرط أن تكون سالمة من العيوب المضرّة بالعمل، «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا» أي: يلزم الزوج أن يترك وطء زوجته التي ظاهر منها حتى يكفّر برقبة، «ذَلِكُمْ» الحكم الذي ذكرناه لكم «تُوعَظُونَ بِهِ» أي: يبيّن لكم حكمه مع الترهيب المقرون به؛ لأن معنى الوعظ ذكر الحكم مع الترغيب والترهيب، فالذي يريد أن يظاهر، إذا ذكر أنه يجب عليه عتق رقبة كفّ نفسه عنه، «وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» فيجازي كلّ عامل بعمله.. «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ» رقبة يعتقها، بأن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فعليه «صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ» الصيام «فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا» إمّا بأن يطعمهم من قوت بلده ما يكفيهم، كما هو قول كثير من المفسرين، وإمّا بأن يطعم كلّ مسكين مُدَّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، ممّا يجزي في الفطرة، كما هو قول طائفة أخرى، ذلك الحكم الذي بيّناه لكم، ووضّحناه لكم «لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» وذلك بالتزام هذا الحكم وغيره من الأحكام، والعمل به، فإن التزام أحكام اللَّه، والعمل بها من الإيمان، بل هي المقصودة، وممّا يزيد به الإيمان ويكمل وينمو.. «وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» التي تمنع من الوقوع فيها، فيجب أن لا تتعدّى ولا يقصر عنها.. «وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

< وفي هذه الآيات، عدّة أحكام منها:

أ- لطف اللَّه بعباده واعتناؤه بهم، حيث ذكر شكوى هذه المرأة المصابة، وأزالها ورفع عنها البلوى، بل رفع البلوى بحكمه العام، لكلّ مَن ابتلي بمثل هذه القضيّة.

ب- أن الظهار مختصّ بتحريم الزوجة؛ لأن اللَّه تعالى قال: «مِنْ نِسَائِهِمْ» فلو حرّم أمته، لم يكن ذلك ظهارًا، بل هو من جنس تحريم الطعام والشراب، تجب فيه كفارة اليمين فقط.

ج- أن الظهار محرّم؛ لأن اللَّه سمّاه منكرًا من القول وزورًا.

د- تنبيه اللَّه على وجه الحكم وحكمته؛ لأن اللَّه تعالى قال: «مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ».

هـ- أنه يكره للرجل أن ينادي زوجته، ويسمّيها باسم محارمه، كقوله: «يا أمي» و«يا أختي» ونحوه؛ لأن ذلك يشبه المحرّم.

و- أن الكفّارة إنما تجب بالعود لما قال المُظاهر، على اختلاف القولين السابقين، لا بمجرّد الظهار.

ز- أنه يجزئ في كفّارة الرقبة، الصغير والكبير، والذكر والأنثى؛ لإطلاق الآية في ذلك.

ح- أنه يجب إخراجها إن كانت عتقاً أو صيامًا قبل المسيس كما قيّده اللَّه تعالى، بخلاف كفّارة الإطعام؛ فإنه يجوز المسيس والوطء في أثنائها.

ط- أنه لعلّ الحكمة في وجوب الكفّارة قبل المسيس، أن ذلك أدعى لإخراجها؛ فإنه إذا اشتاق إلى الجماع، وعلم أنه لا يمكّن من ذلك إلا بعد الكفّارة، بادر لإخراجها.

ي- أنه لا بدّ من إطعام ستين مسكينًا، فلو جمع طعام ستين مسكينًا، ودفعها لواحد أو أكثر من ذلك، دون الستين لم يجز ذلك، لأن اللَّه قال: «فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا».

ك- أنه لا يصحّ الظهار من امرأة قبل أن يتزوّجها؛ لأنها لا تدخل في نسائه وقت الظهار، كما لا يصح طلاقها، سواء نجَّز ذلك أو علّقه. وللحديث بقيّة- إن شاء الله تعالى.

والحمد لله أولاً وآخرًا