Get Adobe Flash player

مكفــّرات الذنـــوب(1)

 

 

هناك بعض الأعمال والأقوال المكفّرة للذنوب والآثام، وردت في كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم-، أوصي نفسي وإخواني وأخواتي بالتنبّه إليها، فكلنا ذو خطأ، ودائمًا ما نسأل الله تعالى المغفرة والعفو، وأن يتقبّل توبتنا، ويغسل حوبتنا ويرُدّنا إليه وإلى دينه ردًّا جميلاً.

أولاً: مكفِّرات الذنوب من القرآن الكريم

إن مكفرات الذنوب كثيرة في الكتاب العزيز، ومنها المكفِّرات الآتية:

أولاً: الإيمان والعمل الصالح يُكفِّرُ السيئات وتُغفَر به الذنوب:

< ومن الأدلة على ذلك:

1- قال اللَّه تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ» (العنكبوت:7).أي أن الذين منَّ اللّه عليهم بالإيمان والعمل الصالح، سيكفر اللّه عنهم سيئاتهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ» وهي أعمال الخير، من واجبات ومستحبات، فهي أحسن ما يعمل العبد.

2- وقال اللَّه تعالى: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ» (محمد:2). أي فالذين آمنوا بما أنزل اللَّه على رسله عموماً، وعلى محمد خصوصًا إيمانًا كاملاً، وعملوا الصالحات بأن قاموا بما عليهم من حقوقٍ للَّه، وحقوق العباد الواجبة والمستحبة، كفّر اللَّه عنهم سيئاتهم: صغارها وكبارها، وأصلح بالهم: أي أصلح دينهم، ودنياهم، وقلوبهم وأعمالهم، وأصلح ثوابهم بتنميته وتزكيته، وأصلح جميع أحوالهم.

3- وقال اللَّه تعالى: «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (التغابن:9). أي «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ» إيمانًا تامًا، شاملا لجميع ما أمر الله بالإيمان به. «وَيَعْمَلْ صَالِحًا» من الفرائض والنوافل، من أداء حقوق الله وحقوق عباده. «يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ» فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذّ الأعين، وتختاره الأرواح، وتحنُّ إليه القلوب «خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ».

4- وقال اللَّه تعالى: «فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» (الحج:50). أي: آمنت قلوبهم إيمانًا صحيحًا صادقًا، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحات «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» أي مغفرة لما سلف من سيّئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم، «وَرِزْقٌ كَرِيمٌ» هو الجنة.

ثانيًا: الصبر والعمل الصالح تغفر بهما الذنوب ويضاعف الأجر:

< قال اللَّه تعالى: «إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ» (هود:11). أي إلا الذين صبّروا أنفسهم عند الضراء فلم ييأسوا، وعند السراء فلم يبطروا، وعملوا الصالحات من واجبات ومستحبات، «أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ» لذنوبهم، يزول بها عنهم كلّ محذور. «وَأَجْرٌ كَبِيرٌ» وهو: الفوز بجنات النعيم.

ثالثًا: الإيمان والتقوى تكفَّر بهما الذنوب:

< قال اللَّه تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ» (المائدة:65). وهذا من كرم اللَّه وجوده، حيث لمّا ذكر قبائح أهل الكتاب ومعايبهم وأقوالهم الباطلة، دعاهم إلى التوبة، وأنهم لو آمنوا باللَّه وملائكته وجميع كتبه وجميع رسله، واتقوا المعاصي، لكفَّر عنهم سيّئاتهم، ولو كانت ما كانت، ولأدخلهم جنات النعيم الخالدة.

رابعًا: التقوى الكاملة تكفّر جميع السيّئات وتغفر بها جميع الذنوب:

< قال اللَّه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» (الأنفال:29). أي أن امتثال العبد لتقوى ربه عنوان السعادة، وعلامة الفلاح، وقد رتَّب اللّه على التقوى من خير الدنيا والآخرة شيئًا كثيرًا، فذكر هنا أن من اتقى اللّه حصل له أربعة أشياء، كلّ واحد منها خير من الدنيا وما فيها: (الفرقان: وهو العلم الذي يُفرِّق به صاحبه بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والحلال والحرام، وأهل السعادة من أهل الشقاوة.... وتكفير السيئات، ومغفرة الذنوب: وكلّ واحد منهما داخل في الآخر عند الإطلاق، أما عند الاجتماع فيفسر تكفير السيئات: بالذنوب الصغائر، ومغفرة الذنوب: بتكفير الكبائر.... والأجر العظيم: وهو الثواب الجزيل لمن اتقاه، وآثر رضاه على هوى نفسه)، «وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ».

< وقال اللَّه سبحانه: «وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا» (الطلاق:5). أي: يندفع عنه المحذور، ويحصل له المطلوب، ويجزل له الثواب على العمل اليسير.

خامسًا: إخفاء الصدقة وإعطاؤها الفقراء تكفّر بها السيّئات:

< قال اللَّه تعالى: «إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (البقرة:271). أي: «إنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ» فتظهروها وتكون علانية حيث كان القصد بها وجه اللَّه «فَنِعِمَّا هِيَ» أي: فنعم الشيء هي لحصول المقصود بها، «وَإِنْ تُخْفُوهَا» أي: تسرّوها، «وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ»، ففي هذا أن صدقة السرّ على الفقير أفضل من صدقة العلانية، وأما إذا لم تؤت الصدقات الفقراء فمفهوم الآية أن السرّ ليس خيرًا من العلانية، فيرجع في ذلك إلى المصلحة، ودلّ قوله: «وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ» على أنه ينبغي للمتصدّق أن يتحرَّى بصدقته المحتاجين، ولا يعطي محتاجًا وغيره أحوج منه، ولمّا ذكر تعالى أن الصدقة خير للمتصدّق، ويتضمّن ذلك حصول الثواب، قال: «وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكِمْ» ففيه دفع العقاب، «وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» من خير وشر، قليل وكثير، والمقصود من ذلك المجازاة.

< وقال اللَّه تعالى: «إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (التغابن:17- 18). أي «إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا» وهو كلّ نفقة كانت من الحلال، إذا قصد بها العبد وجه اللَّه تعالى وطلب مرضاته، ووضعها في موضعها «يُضَاعِفْهُ لَكُمْ» النفقة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. «وَيَغْفِرْ لَكُمْ» بسبب الإنفاق والصدقة ذنوبكم، فإن الذنوب يكفّرها اللَّه بالصدقات والحسنات كما قال جلّ شأنه: «إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ»، «وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ» لا يعاجل من عصاه، بل يمهله ولا يهمله.

سادسًا: محبة اللَّه واتّباع النبي- صلى الله عليه وسلم- تغفر بها الذنوب:

< قال اللَّه تعالى: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (آل عمران:31). وهذه الآية فيها وجوب محبة اللَّه، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، حيث قال سبحانه: «قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ» أي: ادّعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة، فلا يكفي فيها مجرّد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتّباع رسوله- صلى الله عليه وسلم- في جميع أحواله، وفي أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، فمن اتّبع الرسول- صلى الله عليه وسلم- دلّ ذلك على صدق دعواه محبّة اللَّه تعالى؛ وأحبّه اللَّه وغفر له ذنبه، ورحمه وسدّده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتّبع الرسول- صلى الله عليه وسلم- فليس مُحبّاً للَّه تعالى، لأن محبّته للَّه توجب له اتّباع رسوله، فما لم يوجد ذلك دلَّ على عدمها، وأنه كاذب إن ادّعاها، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها، وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتّباع الرسول- صلى الله عليه وسلم- يكون إيمانهم وحبّهم للَّه، وما نقص من ذلك نقص.

سابعًا: اجتناب الكبائر يكفّر السيّئات:

< قال اللَّه تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا» (النساء:31). وهذا من فضل اللَّهِ وإحسانه على عباده المؤمنين، وعدهم أنهم إذا اجتنبوا كبائر المنهيّات غفر لهم جميع الذنوب والسيّئات، وأدخلهم مدخلاً كريمًا، كثير الخير وهو الجنة، المشتملة على ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

ويدخل في اجتناب الكبائر فعلُ الفرائض التي يكون تاركها مرتكبًا كبيرة، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصوم رمضان، كما قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر». وأحسن ما عُرِّفت به الكبائر أن الكبيرة هي: (ما فيه حدّ في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو ترتيب لعنة، أو غضب عليه).

< وقال اللَّه تعالى: «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ» (النجم: 32). «الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ» أي: يفعلون ما أمرهم الله به من الواجبات، التي يكون تركها من كبائر الذنوب، ويتركون المحرّمات الكبار، كالزنا وشرب الخمر وأكل الربا والقتل ونحو ذلك من الذنوب العظيمة، «إِلا اللَّمَمَ»: وهي الذنوب الصغار، التي لا يُصرُّ صاحبها عليها، أو التي يلمّ بها العبد المرّة بعد المرّة، على وجه الندرة والقلة، فهذه لا يكون مجرّد الإقدام عليها مُخرجًا للعبد من أن يكون من المحسنين؛ فإن هذه- مع الإتيان بالواجبات وترك المحرمات- تدخل تحت مغفرة اللَّه عز وجلّ التي وسعت كلّ شيء؛ ولهذا قال سبحانه: «إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ» فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة.

ثامنًا: الاستغفار تغفر به الذنوب، ويُدخِل الجنة:

< قال اللَّه تعالى: «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ» (آل عمران:135- 136). «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ» أي: صدر منهم أعمال سيّئة كبيرة أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ربهم، وما توعَّد به العاصين، ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها، وندمهم عليها؛ فلهذا قال: «وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ». «أُولَئِكَ» الموصوفون بتلك الصفات «جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ» تُزيل عنهم كلّ محذور «وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ» فيها من النعيم المقيم، والبهجة والسرور والبهاء، والخير والسرور، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيّبات، «خَالِدِينَ فِيهَا» لا يحولون عنها، ولا يبغون بها بدلا ولا يتغيّر ما هم فيه من النعيم، «وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ» الذين عملوا للَّه قليلاً فأجروا كثيرًا، وصدق مَن قال: «عند الصباح يحْمَد القوم السُّرَى» وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملاً موفرًا.

< وقال الله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا» (النساء: 110). أي: من تجرّأ على المعاصي، واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًا يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع والعزم على أن لا يعود، فهذا قد وعده مَن لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة، فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتّب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدّم من الأعمال الصالحة، ويوفّقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلاً عن توفيقه؛ لأنه قد غفره، وإذا غفره غفر ما يترتّب عليه.

واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمّي «سُوءًا» لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن.

وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق يشمل ظلمها بالشرك فما دونه، ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر قد يفسّر كلّ واحد منهما بما يناسبه، فيفسّر عمل السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في: دمائهم وأموالهم وأعراضهم.

ويُفسَّر ظلم النفس بالظلم والمعاصي التي بين اللَّه وبين عبده، وسمّي ظلم النفس «ظلمًا» لأن نفس العبد ليست ملكًا له، يتصرّف فيها بما يشاء، وإنما هي ملك للَّه تعالى قد جعلها أمانة عند العبد، وأمره أن يقيمها على طريق العدل، بإلزامها للصراط المستقيم علمًا وعملاً، فيسعى في تعليمها ما أمر به، ويسعى في العمل بما يجب، فسعيه في غير هذا الطريق ظلم لنفسه، وخيانة وعدول بها عن العدل، الذي ضدّه الجور والظلم.

< وقال اللَّه تعالى: «فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ» (هود:61). أي «فَاسْتَغْفِرُوهُ» ممّا صدر منكم، من الكفر والشرك والمعاصي، وأقلعوا عنها، «ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ» أي: ارجعوا إليه بالتوبة النصوح والإنابة، «إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ» أي: قريب ممّن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها أجلّ الثواب، واعلم أن قربه تعالى نوعان: عام وخاص، فالقرب العام: قربه بعلمه من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى: «وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (ق:16)، والقرب الخاص: قربه من عابديه وسائليه ومحبّيه، وهو المذكور في قوله تعالى: «وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ» (العلق:19). وفي قوله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ» (البقرة:186)، وفي هذه الآية، وهذا النوع: قربٌ يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن باسمه «القريب» اسمه «المجيب».

وللحديث بقية إن شاء الله..

والحمد لله أولا وآخرًا