Get Adobe Flash player

محمود البريكان

 

 

الشاعر العراقي والعالمي

إنه شاعر الصمت والعزلة والبُعد عن البهارج الإعلامية والمهرجانات الدعائية المسيّسة لحساب السلطة.

لقد قتلت السلطة الشاعر محمود البريكان بعد عجزها عن ترويضه ليكون بصفّها بوقًا لها رافضًا كافة العروض، وصادًا أمام أساليب الترهيب والترغيب فقتلته مساء يوم 28/2/2002 في داره الواقعة في مدينة البصرة.

< لقد كان بانتظار موته منذ أكثر من ثلاثين عامًا عندما كتب قصيدة  (حارس الفنار) سنة 1969 قائلا فيها:

«أعددت مائدتي وهيّأت الكؤوس

متى يجئ الزائر المجهول؟

أوقدت القناديل الصغار ببقية الزيت المضيء

فهل يطول الانتظار؟

سأركب موجة الرعب الكبير

وأغيب في بحر من الظلمات ليس له حدود

أنا في انتظار الزائر الآتي يجئ بلا خطى

ويدقّ دقّته على بابي ويدخل في برود

أنا في انتظار الغامض الموعود

تحمله الرعود».

< وهو شاعر الهموم الإنسانية إذ يقول في قصيدة (ارتسام):

«في المطعم الصاخب أطلّ من خلف الزجاج عابر صغير

بوجهه الشاحب أطلّ لحظتين.

أسقط قطرتين من مطر

على الزجاج البارد القاسي.

أغمد نظرتين في الأطباق نهمتين

وحكّ أنفًا وسخًا قصيرًا

ببارد الزجاج، لكن أعين الناس همّتْ به فغاب

وظلّ رسم وجهه الهارب

على زجاج المطعم الصاخب

كالوسم في الضباب».

< ويقول البريكان عن مقوّمات الشاعر المبدع:

1- أن تتوفّر لديه الموهبة الذهنية.

2- القراءات الغنية لأنواع  الثقافات في العالم.

3- الاطلاع الدقيق على تجارب الشعراء الكبار المبدعين (عراقيًا وعربيًا وعالميًا).

4- تجربة الحياة الطويلة، بتفاعلاتها الاجتماعية والإنسانية والوجدانية.

5- التواصل، قراءة وكتابة ونقدًا، مع حلقات التجربة الشعرية، إلى جانب الخروج إلى الفعاليات الأدبية والفنية ومقرّباتها.

البريكان في دولة الكويت

يقول عنه الشاعر العراقي سعدي يوسف: سنوات الكويت كانت للبريكان من أغنى السنوات وأكثرها إلهامًا: ظروف عمله مريحة، وأهل الزبير في الكويت كثار، وحرّية الفكر والاطلاع مكفولة بلا مقايسة، والبصرة قريبة، وقد كتب في الكويت قصائد مطوّلة (ملاحم)، وكان في شرف الاطلاع المبكّر على بعضها، وكان ذلك في عام 1957.

للشعر وظيفة اجتماعية

يقول البريكان: للشعر وظيفة اجتماعية، وهو لا يحقّقها بالطفو فوق الوقائع وبالخضوع للتخطيط  الخارجي، بل باكتماله كفنّ إنساني يدافع عن إنسانية الإنسان ويعمّقها، والخطّ الذي يتركز فوقه الشعر في معركة التاريخ هو خطّ القيم النهائية والمصائر الأخيرة وحرّية الإنسان، ولا جدوى في تناوله أية قضية يومية مجرّدًا من هذه الروح.

ليست وظيفة الشعر أن يقدّم تأكيدات مجرّدة للوقائع، ولكنه قادر- بطريقته الخاصّة- على أن يذكّر الإنسان بميزاته، وأن يشحذ إحساسه بالحياة، وأن يغريه بمستوى أعلى في استشراف الوجود.

ويمكن النظر إلى هذا الموضوع من زوايا مختلفة، ولكن ما أردت توضيحه هو أن الشعر لكي يؤدّي دوره في معركة الحضارة لا بدّ أن يستكمل شروطه كفنّ إنساني يمثّل أعلى مستويات الحرّية الداخلية.

عظمة الروح الإنسانية

يقول البريكان: التعرّف على شعراء العالم هو إحدى هواياتي المتنوّعة في القراءة، وقد قرأت للكثيرين، وما أزال أقرأ:

- طاغور شاعر حقيقي عميق الروح، والذين يظنون أنه مجرّد وصّاف ينظرون إلى صوره الظاهرة ولا ينفذون إلى روحه.

- ديلكه يتميّز بتعبيره عن قلق الروح.

- لوركا لشعره نكهة خاصّة، وطريقته في استعمال الصور بديعة.

- اليوت شاعر يعي موقفه، وفي النماذج الجيّدة من شعره فنّ خاص، ومسرحيته الشعرية (مقتلة في الكاتدرائية) عمل فريد في ميدان صعب للغاية.

- نيرودا وناظم حكمت في أفضل حالاتهما يخلقان شعرًا له أبعاده، على بساطته الظاهرية، وإن كانا في حالات أخرى يجنحان إلى النثرية، وهناك آخرون.

- خيمنت الذي يلفت النظر بغنائيته في زمن يكاد يودّع الغنائية.

- فروست الحميم الرحب كالسهول.

- باسترناك المنتفض في ثلوج الوحدة.

- ييتس، باوند، أراغون... وغيرهم، وشعراء ما بعد الحرب مثل يفتشنكو.

والحقيقة أنني أميل إلى الشعراء الذين يمثّلون نوعًا من عظمة الروح الإنسانية، ولا يبهرني التأنّق والاصطناع، فطاغور- فيما أشعر- شاعر عظيم. وأما «يفتشنكو» مثلاً فهو شاعر طريف ومحدود.

< وما احتفظ به من حبّ وولاء لشعراء معيّنين لا يناقض الاقتناع بأن على الشاعر أن يتبع بتواضع طريقه الخاص.

< استعارة لهجات الآخرين هي طريقة سيّئة في الإعجاب، ولا نتيجة لها سوى تجميد الشعر العربي في دائرة التخلّف.

< ناظم حكمت ولوركا وشعراء اللغة الإنكليزية كان لهم تأثير غير معروف في عدد من شعراء العراق ومصر وسوريا وغيرهم، بينما ينعكس تأثير الشعر الفرنسي- بما فيه من نماذج ممتازة ونماذج متحذلقة- في الظواهر الشعرية بلبنان خاصّة.