Get Adobe Flash player

قوّة إسرائيل في الداخل الأمريكي

 

اعتبرت إسرائيل حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة الأمريكية منذ نشأتها عام 1949م، وتطوّرت علاقاتهما لتصبح على ما هي عليه، وقد ذكرنا مراحل هذه العلاقة عبر بحثنا السابق (الترسانة العسكرية الإسرائيلية 1-4-2012)، وتحوّلت أمريكا من حليف لإسرائيل إلى الحامي الأكبر لها بين الدول العظمى (روسيا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والصين وبعض الدول الإقليمية)، رغم استفادتها القصوى عسكريًا وماليًا من تلك الدول، سواء كان عبر التبادل التجاري أو الدعم المالي أو الإمداد العسكري والتقني، وعدّة معاهدات وتحالفات واتفاقيات تضمن لها وجودها واستمرارها كدولة تتمتّع بسيادة في مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة وعلى حساب دولة فلسطين التي اغتصبت أرضها وشرعت وجودها وحدها كدولة يهودية إسرائيلية دستوريًا وقانونيًا بموافقة الدول الخمس الكبرى، وحصلت على هذا الدعم الهائل بسبب عزمها على الوجود، مستخدمة كلّ الأساليب الخفيّة واللاقانونية والدسيسة بالخفاء والعلن، واضعة الخطط التي تمكّنها للبقاء ألف عام، وعملت على ذلك بتقوية جميع مرافقها الحيوية والتقنية والصناعية والإعلامية والسياسية والاقتصادية متحدّية بذلك كلّ العالم العربي، الذي توسّطت قلبه لتمدّ خيوطها العنكبوتية لتستأصل منهم الموافقة على وجودها عبر مفاوضات وهدنات وحوارات بحجّة السلام، آخذة منهم تعهّدًا بعدم التعرّض لها أو محاربتها بعد أكتوبر 1973، إلا أنها استمرت بتعدّيها على بقية الأراضي الفلسطينية وبناء مستوطنات لها عليها، ضاربة عرض الحائط بكلّ القيم الأخلاقية والدولية، حتى لو كلّفها ذلك بذر الشقاق والقتال بين الأخوة العرب، ومادّةً جسورًا تجارية مع البعض منهم، وخارقة للمحرّمات العربية بالتعامل معها، ومصدّرة إليهم كلّ تكنولوجياتها عبر لوائح وعناوين أمريكية أو بريطانية أو تايوانية أو غير ذلك.

 

الدور السياسي لإسرائيل في الشرق الأوسط

على الصعيد الدولي استطاعت إسرائيل أن تثبت دورها في المنطقة في كلّ المجالات العسكرية والاقتصادية والتجارية والسياسية، إضافة إلى تعزيز قدراتها الصناعية التكنولوجية المتطوّرة لتنافس بها حتى أمريكا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي والدول الكبرى، لتخترق صناعاتها الأسواق العالمية الأوروبية والآسيوية والأمريكية وحتى الأفريقية، محقّقة مكاسب مباشرة وغير مباشرة تنعش دولتها والمصالح الأمريكية خاصّة داخل القرن الفريقي.

أما من الناحية السياسية، فقد ركّزت إسرائيل في أهدافها على المحيط العربي ومنطقة الخليج العربي ومنطقة الدول الإقليمية تركيا وإيران وروسيا، فلعبت دورًا فعّالاً في تأمين المصالح الأمريكية السياسية والعسكرية والاقتصادية في تلك الدول، من خلال دورها مع تركيا باتفاقيات عسكرية وتقنية وصناعية وتكنولوجية واقتصادية وتجارية، كذلك مع روسيا حيث استطاعت بمخابراتها التعرّف على عدّة أسرار صناعية عسكرية وبعض التقنيات والتكنولوجيا الدقيقة والحسّاسة، كما أنها شغلت الفراغ الاستراتيجي بمنطقة الشرق الأوسط، فمعظم القضايا الساخنة تدور حولها مع فلسطين، فهي ركيزة أساسية لعلاقة أمريكا مع كلّ دول العرب وخاصّة الخليجية منها، مؤمّنة بذلك المصالح البترولية لأمريكا ولنفسها في ذات الوقت.

كذلك في آسيا الصغرى أثّرت إسرائيل في إمكانية دخول تركيا الاتحاد الأوروبي أو عدم دخولها، فاتفاقياتهما ومصالحهما المشتركة عزّزت دور تركيا في دخول الاتحاد الأوروبي في مرحلة سابقة، إلا أن تطوّر الأحداث نحو حادثة الباخرة التركية والتدخّل العسكري الإسرائيلي بها وقتل بعض طاقم السفينة دَهور تلك العلاقات فيما بينهما، إلا أنهما مازالا يحافظان على كلّ المعاهدات والاتفاقيات العسكرية والاقتصادية وتأمين المصالح الأمريكية بالداخل التركي (نشر رادارات أمريكية تتعلّق بمنظمومة الصواريخ الأمريكية التي تهدّد إيران وروسيا معًا)، وبذلك أثبتت إسرائيل فعاليتها بحماية المصالح الأمريكية رغم خروقاتها المفتعلة بها والظاهرة للعيان، وكذلك عزّزت دور أمريكا في بلاد القوقاز.

كما استطاعت إسرائيل أن تحمي نفسها ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية بوضع نفسها في المواجهة مع الدول المخصّبة لليورانيوم بتفعيل المفاعل النووية، فوجّهت ضربة عسكرية للعراق بضرب المفاعل النووي العراقي (أوزيراك)عام 1981، واغتالت معظم العلماء العراقيين في فرنسا وغيرها من الدول الأجنبية والعربية، وهيّأت لحرب مستعرة لاحتلال العراق بادعائها أن العراق يملك سلاحًا نوويًا، معزّزةً بذلك وجودها وتواجد القوّات العسكرية في المنطقة للسيطرة على آبار النفط ومنابعها، كما دمّرت في 2007 المفاعل النووي السوري، وهي مازالت تحضّر الآن لضرب المفاعل النووي الإيراني تخوّفًا على وجودها، وتخترع من أجل ذلك الحقائق الكاذبة والواهمة بأنها ستدمَّر وتتعرّض لإبادة من جديد على يد الإيراينيين، وتستعجل القرارات الدولية لضرب المنشآت النووية الإيرانية، حتى لو أدّى هذا لحرب كبرى قد تدخل بها روسيا والصين لحماية مصالحهما في الداخل الإيراني والمنطقة، علمًا بأن إسرائيل تملك أكثر المفاعلات النووية وأكثر من 200 رأس نووي قد يدمّر المنطقة بمجملها! بينما بالظاهر ترتّب كافة الإجراءات لتسهيل دور أمريكا في المنطقة بمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل بداعي السلام معها ومع العرب والمسلمين على وجه خاص.

وقد ضربت إسرائيل- خلال هذه الأيام- منشآت سودانية عسكرية في مجمع «اليرموك» جنوب العاصمة «الخرطوم» منعًا لأي تطوّر عسكري بها، وللهدوء والاستقرار الأمني بداخلها، وذلك في 24/10/2012، مدمّرة أكثر من 60% تدميرًا كاملا و40% تدميرًا جزئيًا لا يصلح لإعادة التجهيز.

إسرائيل الواجهة البديلة لأمريكا حتى في الصين

تضع إسرائيل نفسها في الواجهة بديلاً لأمريكا لتحقيق مصالحها في الصين وغيرها من دول أمريكا اللاتينية، كما أنها تسعى بالوقت نفسه لجعل أمريكا ساعدها الأيمن في كلّ طموحاتها التوسعية في الشرق الأوسط، إذ أنها تسيطر على مراكز صنع القرار في الداخل الأمريكي، فهي تسيطر على أعلى مراكز الأجهزة العسكرية في البنتاغون، وفي الكونغرس الأمريكي، وفي إدارات المخابرات المركزية الرئيسية، وفي توجيه سياستها الخارجية بما يخدم مصالحها ومآربها في العالم والشرق الأوسط.. فهي تعتمد على قوّة «اللوبي اليهودي» الذي يجتاح الانتخابات الرئاسية ليحوّلها لمصلحته، ويعمد بتحويلها لما يؤمّن مصالحه ووجوده واستمراريته في المنطقة العربية، وتجعل أي رئيس أمريكي يريد الفوز بالرئاسة مرهونًا لتنفيذ طلباتها وأوامرها المحقّة أو اللامحقة، وأصبح من الضروري على أمريكا أن تتخذ أمنها من أمن إسرائيل في الشرق الأوسط، حتى لو بذل العرب جميعهم كلّ ثرواتهم النفطية من أجل التخلّي عنها أو إضعافها لإحلال السلام والاعتراف بالدولة الفلسطينية وإعطائها حقها السيادي والشرعي. إذ تعتبر الجالية اليهودية الأمريكية من أهمّ الجاليات وأكبرها وأكثرها قوّة في العالم، وتعتمد المصارف ومراكز الاستثمار والمال الأمريكي عليها، كذلك الأسواق العالمية الأوروبية والآسيوية، وفي التجارة والصناعة والسياسة، ولها مراكز حسّاسة وكبيرة في القوّات العسكرية الأمريكية وصناعتها وتقنياتها المتطوّرة.

أمريكا وإسرائيل..والالتزام الأخلاقي والمصيري بينهما

استطاعت إسرائيل أن تأخذ التزامًا مع أمريكا- أكثر من مجرّد التزام أخلاقي- بعد شتاتها وتعرّضها للهولوكوست النازية، فجعلتها تعتقد أنه لا وجود لأمريكا أو لا حفظ لمصالحها في الشرق الأوسط دون الوجود الإسرائيلي ومن خلالها فقط، رغم أن أمريكا ساعدت إسرائيل كثيرًا لاستمرارية عيشها مع العرب والانخراط بحياة طبيعية معهم دون اللجوء للحروب الاستنزافية لمقدّراتها ومقدّراتهم، محاولة الحدّ من الصراعات بينهم بمعاهدتي سلام مع مصر والأردن وغيرها من الاتفاقيات والمعاهدات مع الفلسطينين أنفسهم رغم أنها المغتصبة لأراضيهم، ومعزّزة علاقتها مع مصر أكثر بعد حرب أكتوبر 1973 واجتياح قناة السويس وردّها على أعقابها، معرّضة أمريكا ومصالحها للضغوط العربية الخليجية بقطع إمدادات النفط عنها ومواجهة مع الاتحاد السوفيتي، وردع صراع عربي إسرائيلي عند اجتياحها للأراضي اللبنانية 1982 معرّضة قوّاتها العسكرية «المارينز» لهجمات انتحارية من (حزب الله) الذي ساعدت على نشوئه إسرائيل بسبب احتلالها للجنوب اللبناني وإمعان التدمير في البنى التحتية وقتل الأبرياء من الشعب اللبناني، كذلك تعنّتها بالتوسّع في الاستيطان داخل الأراضي الفلسطينية وحصار قطاع غزّة، ممّا أدّى إلى تراجع بعض الجهود الأمريكية في إحلال السلام، وأدّى إلى فتور في العلاقات بينهما لضرب إسرائيل بمعاهدات السلام والاتفاقيات التي بذلت أمريكا مجهودًا كبيرًا لإحلال الهدوء والاستقرار في المنطقة خلال عدّة عقود.

العلاقات الإسرائيلية- الأمريكية

بعد أحداث سبتمبر

جاءت أحداث سبتمبر بمثابة المنقذ للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية الفاترة، وأعادت مجد إسرائيل إلى الريادة بكلّ الخطط التي تمنع الإرهاب المسلم الذي ابتدعته لتشكّل منه خطرًا على المصالح الأمريكية في الداخل والخارج وقلب منطقة الشرق الأوسط، وظهرت بأنها الدولة التي تحيي الديموقراطية والسلام الوحيدة بينهم، واتخذت دور المواجهة في ردّ أي هجوم تطرّفي إسلامي عليها، وبأنها الدرع الوحيد المدافع عنها وعن تواجد قوّاتها العسكرية في كلّ مكان قد يقصده الإرهابيون! مع أنها المساعد الأول والمسبّب الرئيسي في نشوء مثل هذه المنظمات الإسلامية المتطرّفة للردّ على خططها الظالمة والمتآمرة عليها في كلّ مكان، خاصّة على كلّ ما هو عربي ومسلم اتهمته بالتجسس والإرهاب بعد أحداث سبتمبر، لتحوّل شعبًا مسالمًا ومدافعًا عن حرّيته وكرامته (سجن غوانتنامو وغيره من السجون الغير عادلة) لينضمّ بعض شبابه إلى باقي الأصوليات الإسلامية المتطرّفة التي انبعثت مجاهدةً بسبب الاضطهاد والمؤامرات الإسرائيلية على الإسلام بعد أحداث سبتمبر، وأدّى إلى انبعاث حركة «حماس» في الداخل الإسرائيلي ليعودوا إلى الصراعات العنيفة والقاتلة والتدميرية على قطاع غزّة والضفة الغربية وغيرها من المناطق الفلسطينية.

إسرائيل خزّان عسكري لأمريكا في المنطقة

دعمت أمريكا إسرائيل عسكريًا وماليًا بعد أحداث سبتمبر، وجعلتها خزّان أسلحة بدعم مالي بقيمة 1.2 مليار دولار، لردع أي هجوم أصولي على منشآتها العسكرية أو قوّاتها في المراكز الأمنية المنتشرة في المناطق الاستراتيجية في الشرق الأوسط وأفغانستان وباكستان.

كما تعتبر إسرائيل أهمّ مركز مخابراتي لها في هذه المنطقة العربية والإسلامية لتحذّرها من أي طارئ أو محاولة عسكرية ضدّها، كما أن إسرائيل أهمّ حقل لتجارب الأسلحة المتطوّرة والتي تبيعها خلسة لإثارة الفتن والحروب في المنطقة، كما أنها تغذّي أي حرب داخلية وتمدّها بالأسلحة ولو بأسماء لدول غربية وآسيوية مختلفة، لقد أصبحت إسرائيل الاسم المرادف لاسم أمريكا في منطقة الشرق الأوسط، رغم أنها كلّفتها منذ نشوئها عام 1949 حتى بعد أحداث سبتمبر أكثر من 115 مليار دولار، ممّا مكّنها من إنشاء أهمّ ترسانة عسكرية لها، وبالمقابل جيش قويّ مجهّز بأحدث الأسلحة ذات التكنولوجيا العالية والمتطوّرة.

ما هي تقديمات إسرائيل لأمريكا؟ أولا: التعاون المخابراتي «الموساد»:

قدّمت إسرائيل خدمات مخابراتية جليّة لأمريكا في حربها الباردة مع روسيا (الاتحاد السوفيتي سابقًا) حول أنظمة الأسلحة وأسرارها التكنولوجية، وكشفت البرنامج النووي الروسي- الإيراني وبرنامج الصواريخ الإيرانية وذلك في منتصف التسعينات.. وتعتبر إسرائيل مصدرًا رئيسيًا مخابراتيًا لأي تحرّك عربي عسكري خاصّة «حزب الله» وأنشطة تنظيم القاعدة في كافة الدول العربية والإسلامية، لذا يأتي اعتماد أمريكا عليها اعتمادًا كليًا، ممّا يوقعها في شرك إسرائيل لتحقيق أهدافها التوسعية في المنطقة، وهدفها الحالم بالعودة إلى تاريخ ما قبل القرن العاشر قبل ميلاد المسيح «من النيل إلى الفرات نعود»، لتحفّز إنطلاق حركات متطرّفة ضدّ مراكز أمريكية تبعًا لسياسة إسرائيل العدائية تجاه العرب والمسلمين في المنطقة.

ثانيًا: التعاون العسكري:

ساعدت إسرائيل أمريكا في مكافحة الإرهاب باغتيال عدّة رؤوس أساسية في أحزاب إسلامية متطرّفة أو توقيفهم وسجنهم، كذلك تعتبر إسرائيل أهمّ منتج صناعي عسكري متطوّر لأهمّ مروحيات هجومية، ومطاردات، وطائرات بدون طيار (تمّ كشف أسرارها عند سقوطها أثناء عملية تجسّس في إيران، وإعادة إرسالها عبر «حزب الله» لتخترق القبّة الحديدية الإسرائيلية) إلا أنها ساعدت طائراتها التجسّسية أمريكا في قصفها لمعاقل المجاهدين الأفغان وحركة طالبان، وفي شبكات القاعدة في اليمن. ممّا دفع بأمريكا لتمويلها بأكثر من 3 مليارات دولار لتطوير صناعاتها العسكرية (صاروخ اعتراض آرو3- منظومة القبّة الحديدية المضادّة للصواريخ- نظام «ديفيد سلينغ»- ونظم آلية موجّهة في البرّ والبحر لتؤمّن عدم مقتل جنودها)، كما أن إسرائيل تمتلك صناعات عسكرية متطوّرة حتى أمريكا نفسها لا تمتلكها.

وقد بلغت مبيعات إسرائيل العسكرية إلى أمريكا قيمة 20% من إجمالي صادراتها، وكانت قبل أحداث سبتمبر حوالي 300 مليون دولار، وأصبحت بعدها أكثر من مليار ونصف مليار دولار.

ثالثًا: التعاون الأمني:

وضعت خطّة مشتركة أمنية بين أمريكا وإسرائيل بعد أحداث 11 سبتمبر تتضمّن: (مكافحة الإرهاب، المشاركة في التخطيط لحالات الطوارئ، أمن الطيران والموانئ، الأمن السيبراني، الأمن الكيميائي والبيولوجي، النووي الإشعاعي، تطوير مشترك في تكنولوجيات الأمن الداخلي).

وقد تمّ تدريب كلّ القوّات الأمريكية المنخرطة في هذه المجالات على أيدٍ أمنية إسرائيلية وفقًا لخبرتها في إسرائيل، وكلّ الأجهزة المراقبة في الموانئ والمطارات والمعابر الحدودية والبنى التحتية الحسّاسة والدقيقة في الاستشعار هي من صنع إسرائيل.

رابعًا: التعاون الاقتصادي:

تعدّ إسرائيل من بين الدول الست الكبرى من حيث الابتكار، ومن بين أهمّ  عشرين مستثمرًا دوليًا مباشرًا في أمريكا، وتتصدّر قائمة البلدان في التجارة مع أمريكا.

خامسًا: التعاون الالكتروني والسابراني:

تعتبر إسرائيل من أكثر البلدان تعاونًا في هذا المجال مع أمريكا، إذ لها أسلوبها الخاص والشهير بابتكار رقاقات الكمبيوتر لشركة «أنتيل» وهي تمثل 40% من عائدات الشركة، كذلك تقنيات الاتصالات السلكية واللاسلكية فهي عنصر أساسي منها، كما تمّ شراء شركة «إن دي اس» الإسرائيلية الشهيرة بالتشفير التلفزيوني دوليًا من قِبل الشركة الأمريكية «سيسكو» بقيمة 5 مليارات دولار في 2012م، كذلك لا يُستبعد أن تكون المسبّب بالهجوم الالكتروني على حاسوبات البرنامج النووي الإيراني الالكتروني.

سادسًا: التعاون الطبّي:

كما أثبتت جدارتها بالصناعة المتطوّرة العسكرية، كذلك تميّزت بالصناعة الطبّية، وتبوّأت أعلى المراكز وتصدّرتها، فهي تحوز على أكبر معدّلات براءات الاختراعات للأجهزة الطبّية للفرد الواحد من أي بلد آخر، وتعود لمعهد «وايزمان» الشهير صناعة آلاف من المنتجات الطبّية، بإيرادات مالية مرتفعة جدًا، كما تعتبر إسرائيل الرائدة والأولى في إنتاج الأدوية الجنسية في العالم عبر شركتها «تيفا»، وتوزّع بالداخل الأمريكي بكثرة، ولها مردود مالي عال، كما في باقي دول العالم تحت أسماء وهميّة خاصّة في الدول العربية والإسلامية، وبرعت أيضًا في إنتاج حاسوبات لسجّلات المرضى، وحبوب تشخيصية غير مبضعية لتشخيص المرض، ويعود لعلمائها الفضل في اكتشاف أحدث طريقة تصويرية غير مبضعية لتصوير وظائف الدماغ.

وعملت كذلك على صناعة ضمادات تشفي جروح المرضى من الجنود بسرعة فائقة، وعلى تطوير هيكل عظمي خارجي للافقريات تساعد المشلولين على السير من جديد. وتقنيات حديثة في تطوير الطبّ النووي، وكلّ ما تحتاجه الرعاية الصحّية من آلات تكنولوجية متطوّرة ومعلوماتية، حيث إن شركة «جنرال إلكتريك الأمريكية» لديها فرع أساسي ومركزي في إسرائيل يوزّع على الشرق الأوسط.

مستقبل إسرائيل

إن مستقبل إسرائيل مهدّد بعدّة عقبات قد تدمّر اقتصادها وكل قواها العسكرية والتكنولوجية والمعلوماتية، إذ أنها تخفي رأسها بالرمال ولا تريد أن تقتنع بأنها وحيدة وسط جيرانها العرب الذين تناصبهم العداء، وتعمل على الصراع الدائم مع الشعب الفلسطيني الذي اغتصبت أرضه ولا تريد حتى الاعتراف بوجودهم كدولة ذات سيادة لها حق في الوجود إلى جانب دولتها، ولا تعمل على العيش المشترك- وباستقلال تام- لكلّ منهما حسب المواصفات الدولية والشرعية، لذا ما عملت عليه- على مدى ستة عقود- من الممكن أن ينهار بين ليلة وضحاها، فلديها الداخل المتفكّك بين اليهود أنفسهم شرقي وغربي، إيراني وروسي وليبي وسوداني وأمريكي وأوروبي، ممّا سيسبّب انقسامات عملت عليها في العالم العربي. لذا ستعود على داخلها بالشقاق والصراعات ما أن ينتهي ربيع الثورات العربية وتتغير أنظمتهم، كذلك الفروقات الطبقية بين الحزب الحاكم والأحزاب الأخرى، والنمو الاقتصادي المتباطئ والمتدهور والمتأثر بمحيطه العربي وبالأزمات المالية الكبرى ودول المنطقة (اليونان وغيرها من الدول) رغم رعاية أمريكا لها، إلا أن الأخيرة تمرّ أيضًا بأزمات اقتصادية، حتى لو كان يديرها أرباب اليهود، إلا أن هناك مآزق اقتصادية كبيرة بانتظارها، فهي مازالت لا تمدّ جسورًا تجارية واقتصادية بين العرب، وتحاصر اقتصاد الفلسطينيين بالداخل، وتضيّق عليهم الخناق، ممّا ينشئ الكثير من النزاعات المتطرّفة والدفاعية تجاهها، وتكلّفها الصناعات العسكرية أكثر من 70% من اقتصادها، وبإمكانها أن توزّعه- لو عاشت بسلام- على جميع المرافق الصناعية الأخرى والزراعية والسياحة، وتتحوّل إلى محجّ ديني سياحي للمسلمين (المسجد الأقصى وقبة الصخرة)، والمسيحيين (كنيسة القيامة والقدس بكنائسها الأثرية القديمة)، بدل هدم الأماكن المقدسة الأثرية، واليهود (معالم أثرية وكنيس وحائط المبكى وغيره من المقدسات) على حدّ سواء.

القدس: موطن لكلّ الأديان السماوية والحضارات القديمة، فليعش الشعب اليهودي (إسرائيل) بسلام بمشاركة العرب الفلسطينيين بجميع طوائفهم، إلا أن عنصريته تجعل هذه الرؤية السلمية من المحال، وقد تكلّفه وجوده، ومهما تفوّقت إسرائيل عسكريًا فلابد وأن تتعرّض لانهيارات اقتصادية ومالية، ولثورات داخلية تقضّ مضجعها، وقد تقلب الموازين السياسية بتغيّر الحلفاء (دول البريسك)، أو بانضمام دول كبرى لهم، ومن ثمّ تجلب على نفسها الويلات، وبقدر ما تساعد أمريكا الآن قد تجلب عليها الويلات والأذى مستقبلاً بتعنّتها وخططها المدمّرة التي قد تسيء لسمعة أمريكا على المدى الطويل، وقد تعمد لإزالتها مهما حاولت إثبات أن وجود إسرائيل من وجودها، إذًا فعلى إسرائيل أن تتوقّع غير المتوقّع دائمًا، فالسلام ليس ضعفًا، بل قوّة، إن استطاعت الدول القادرة إرسائه، وإلا فلتذهب في الطوفان.