Get Adobe Flash player

فناء العالم عنـد المايا... لغـز حيرّ العالم!

 

 

وضع علماء الفلك لشعب المايا تقويمًا فلكيًا يعرفوا من خلاله نشأة الكون ومراحل تغيّراته وتأثّرهم بها، وصولاً لأسباب نهاية الكون، وكيفية التعامل مع هذا التقويم بما يؤدّي لنجاتهم من أي كارثة كونية مفاجئة، إلا أن الشعوب في عالمنا المعاصر اتخذته نبوءة لنهاية الحياة على الأرض بشكل كارثي دون الغوص في أعماقه والبحث عن خفاياه وأسرار رموزه.

لقد وضع علماء الفلك الماياويون تقويمهم لفترة زمنية طويلة، حساباتها مختلفة عن حساباتنا، لأن تقويمهم السنوي واليومي والشهري مختلف عن رزنامتنا (تقويمنا) وما سبقها من حضارات، وما اندثارهم إلا مرحلة من مراحل اندثار الشعوب، وقد تيقّن شعب المايا أنها حاصلة لا محالة، ولكن اتخذها بما يناسب معتقده العلمي والفلسفي والديني، مستندًا على ما لديه من معطيات، لذا بدأوا ينسجون الخيال في أسباب نهاية العالم، ومنهم مَن أنتج أفلامًا سينمائية تحذّر العالم الأرضي بأن النهاية وشيكة، لأن تقويم المايا ينبّئهم بذلك. عدا ما أنبأتهم به دياناتهم وحضارات سابقة، إذ جميعها تتكلّم عن النهاية، بمفردات وعناوين مختلفة الأسباب والتكهّنات والفلسفات، والأمر العجيب أنه لم تمرّ حضارة أو ديانة إلا وبحثت نهاية الكون، وآمنت بأن لكلّ بداية نهاية، ولكن اختلفوا في كيفية النهاية، ووضعوا قوانين الترغيب والترهيب، ومبدأ الثواب والعقاب، وعبادة الإله الواحد، ومنهم مَن نسبها لغضب الآلهة كحضارات آمنت بهذا المعتقد تعود لأكثر من 5 آلاف سنة (حضارة بلاد ما بين النهرين، والفراعنة، والهندوس، والبوذيين، والإغريق، والرومان)، ومنهم مَن أخذه الخيال لأبعد من ذلك بأن النهاية بسبب غزو لسكان الكواكب التي قرّرت أن تغزو الأرض وتقضي على شعوبها عقابًا على محاولتهم اقتحام حياتهم الخاصّة وعلى غزو الإنسان لاكتشاف كواكبهم.

فتعالوا نستكشف- سويًا- ما هو الحقيقي في تكهّنات العلماء وأسباب خوفنا من نهاية العالم؟ وهل هناك عوالم أخرى تعيش إلى جانبنا؟ إنه حقًا عالم شيّق وغامض ومثير في البحث عنه، عالم الأرقام عند المايا، فهو يحتاج مني إلى دكتوراه ثانية لتوفّي هذا العلم حقّه.

التقويم عند شعوب المايا

إنه علم الأرقام واصطفافه على خانة رقمية واحدة 10/10/1010م- 11/11/1111م- 5/5/1555م- 6/6/1666م- 9/9/1999م- 11/11/2011م- 12/12/2012م. إنها أرقام متكرّرة، ماذا حدث بها من تغيّرات كونية؟ إنها أوهام بشرية أدخلها في عقولهم كهنة الأديان الوثنية ترهيبًا وترغيبًا وليقدّموا لهم فروض الطاعة، ولا يختلف هذا عن رجال الدين في الأديان السماوية، ولا يعلم الغيب سوى الله عز وجل.

ولكن دراسة «علم الفلك» هي دراسة علمية ودقيقة، وتحرّكها في المجرّة يحدث تغييرًا على الأرض من فيضانات وهزّات أرضية وغيرها من التغيّرات المناخية، بالإضافة إلى ما يحدثه الإنسان من خراب على  سطح الأرض وفي أعماقها من استخراج نفط ومعادن واستهلاكها، والأخطر صناعة: السلاح النووي، والتجارب التي تجريها الدول الكبرى في أعماق المحيطات (تسونامي اليابان والفلبّين)، وإعصارات أمريكا (ساندي العظيم)، وفي كلا القطبيْن الشمالي والجنوبي (ذوبان جبال الجليد)، كلّ هذا من الممكن أن يؤدّي إلى فناء الشعوب على سطح الأرض، ويؤدّي إلى الجفاف وانتشار الأوبئة والحروب، وبالتالي انقراض الإنسان، وليس إلى فناء كوكب بأكمله إلا بفعل انفجار كوني أو اصطدام كواكب، وكل ذلك طبعًا بإرادة الله تعالى.

إن ما أنتجه هذا الرقم الأخير للبشرية 21/12/2012م، وما سيحدثه 22/2/2222م بعد قرنين ونيف، هذا ما سنخلّفه نحن اليوم من خراب ودمار بفضل أسلحة الدمار الشامل النووية والانبعاثات السامّة للغازات وغيرها ممّا نخرّبه من ذوبان الجليد الذي سيحدث جفافًا وحروبًا على المياه قد يُفني من أجلها بعضنا البعض بما يسمّى «صراع البقاء»، وهذا ما سجّله التاريخ القديم (سفينة نوح والطوفان) منذ أكثر من 5 آلاف عام.

وهناك آخرون يفكّرون بهذه الأرقام بوجهة نظر مختلفة، وينتجون أفلامًا قد تكون خيالية وقد تكون حقيقية إن وصلت أبحاثنا الفضائية وكشفت عن وجود حياة وكائنات حيّة على كواكب أخرى مثل: (القمر والمريخ والمشتري وفينوس وزحل وساتورن) وغيرها من الكواكب التي عبدتها الحضارات القديمة، واعتبرتها آلهة تحرّك الأرض والإنسان على هواها.. هل تثبت عقيدة الفراعنة أن هناك عالمًا أذكى منا سبقنا إلى الأرض وبنت عوالمها بيننا دون أن نراها؟ وهل سمّتها الأديان السماوية الأنوار والملائكة والجن وغيرها من خيالات الإنسان وإيمانه الورع؟ أو هل كلّ ما تريده البشرية هو الخلاص الأبدي من الحياة، التي يعيشها- حقًا- بكرامة حوالي نصف مليار من أصل 6 مليارات؟ هذا إذا لم نبالغ.

لهذا فإن كلّ الشعوب تؤمن بالحوادث الخارقة، وتخاف من تغيّرات الطبيعة، وتهرب إلى معابدها وكنائسها ومساجدها لتنعم بالصلاة خوفًا من الاندثار، ولكن ألا يمكن أن تكون قمّة تطوّرنا سبب فنائنا كما تنبّأ «الفيلسوف اليوناني سقراط» من قبل بأنه كان هناك قارّة تدعى «أتلانتيكا» وفنيت بسبب قمّة تطوّرها.. ولم لا؟ وهل هناك شيء عجيب في هذا؟! تخيّلوا لو وقع السلاح النووي بأيدي مجموعةٍ في قمّة الجهل، وأرادت ادعاء الألوهية، وبأنها تستطيع تدمير العالم نوويًا، واختارت تاريخًا مشابهًا مثل 3/3/2013م مثلا أو غيره من الأرقام المتسلسلة، فمَن يستطيع إقناعها بأنها ستفنى معه، ولن تعود هناك حياة، ولا توجد «سفينة نوح» لإنقاذها من جهلها؟ ولماذا نعلّق كل هذا بسبب انتهاء شعوب المايا؟ لأن الذي أنهاها- ربما- بعض ما اخترعه الإنسان من أسلحة مدمّرة خفيّة أخطر من النووي، تبيد كلّ كائن حي، ويبقى على الأرض لتكون حكرًا على عرقه وحده.

وإذا أخذنا بالاعتبار أن التقويم الفلكي لشعب المايا حقيقة، لأنه يستمرّ 52 سنة، وابتدأ منذ عام 2000 وقد مضى 12 عامًا من التغيّرات المناخية والأرضية والحروب، يعني أنه مازال لدينا حوالي 40 سنة من الترقّب لنهاية العالم. ومن الطبيعي أن تحدث خلالها كوارث، إن استمر بنا الحال على هذا الأداء من التفلّت اللاأخلاقي لاستثمار مقدّرات ثروتنا النفطية، وانبعاثات الغازات الدفينة، وتوسّع ثقب الأوزون، والجفاف والحروب من أجل المياه، ستتحقّق نبوءة المايا، وبدء الصراع الأخير الذي ذُكر في التوراة عند اليهود، وقيامة العالم عند الأديان السماوية في صراعهم على البقاء، وأن كلّ واحد منهم هو خير أمة أرسلت للبشرية أو الأرض، فلنتفكّر بهذا سويًا.

شعــوب المــايا

نشأت حضارة المايا قبل المسيح بـ 2000 عام، واستمرّت حوالي 200 عام بعد المسيح على ازدهارها، ومن ثمّ بدأت الانتشار لتعمّ دولاً مجاورة كثيرة، متحدّية كلّ الأديان المنبعثة على أراضيها, فاستطاعت المحافظة على حضارتها بفضل انصهارها وتطوّرها مع معتقدات الدول المجاورة إلى عام 900 ميلادية، واستمرّت بازدهارها في دول أخرى إلى 1000 عام ميلادي, أي أن حضارتها واصلت وجودها 3000 آلاف عام، رغم الحروب التي حصلت مع دول مجاورة لها طمعًا بها، إلا أن معتقدها تغلغل بين كلّ الحضارات واستوعبها، واتّحد ببعضها ورفض البعض الآخر، ممّا أبقى عليها حتى وصول الغزاة الإسبان الذين سعوا جاهدين باسم الدين الجديد (المسيحية) إلى محو كلّ مَن لا يؤمن بهم، واعتبروهم كفرة ووثنيين يجب حرقهم وإبادتهم، وبأن الله اختارهم لينفّذوا مشيئته على الأرض، فعملوا على القضاء على كلّ القبائل التي كانت تسكن قبلهم تلك البلاد، كما فعلوا في كلّ أمريكا بعد أن قضوا على قبائل الهنود الحمر- السكان الأصليين لأمريكا- ربما كان خطأ كولومبوس أنه لم يحذّر تلك الشعوب من السكان الجدد وعنصريّتهم العرقية والدينية (محاكم التفتيش في إسبانيا, مذابح اليهود والإسلام على حدّ سواء في القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلادي).

وقد سكنت شعوب المايا وسط أمريكا (غواتيمالا, هندوراس, بيليز, السلفادور)، وانتشروا في نطاق الولايات المتّحدة الأمريكية الخمس «تشياباس, كينتانارو, كامبيشي, يوكوتان, تاباسكو»، وتعدّدت لغاتهم حتى وصلت لأكثر من مائة لهجة، ومازال محكيًا منها حوالي 44 لهجة ماياوية إلى يومنا هذا، وفي معظم ولاياتها السابقة, ووقد جعلها تطوّرها الحضاري معْلمًا سياحيًا وتجاريًا مهمًّا ومزارًا دينيًا لأهراماتها ومعابدها يأتي إليه كلّ مَن انتمى إليها في يومنا هذا، كسياحة واستكشاف لعظمة هذه الحضارة من كلّ بقاع الأرض، فكانت حضارتهم أوّل مَن طوّر الكتابة، وبرعت في علوم الفلك على نطاق قارة أمريكا, ووضعت أنظمة رياضية وعلم الحساب, كما برعت في الفنون والهندسة المعمارية، وتطوّرت تطوّرًا ملحوظًا قبل أن يصلها المستكشفون ويُعرّفوا العالم بها.

وظهرت المعالم الأثارية لحضارة المايا من جرّاء اكتشاف علماء الآثار لبعض النقوش الكتابية والرسومات والتقويمات الفلكية والحسابية على بعض الجدران لمعابدهم في (هندوراس وغواتيمالا وبيليز والسلفادور الغربية)، وحسب رأي العلماء فإن حضارة المايا وصلت إلى ما يقرب من 620 ميل من وسط المكسيك, رغم عمل الإسبان على فنائهم وتدمير آثارهم- ظنًا منهم أنهم سيبيدوهم عن بكرة أبيهم- (كما فعلت طالبان بتماثيل بوذا بدكّها بالصواريخ، ظنًا منهم أنهم سينهوا حضارة لديانة بوذية  قاومت الحروب 2500 عام لإيمانها بالسلام والمحبة).

وتعداد شعوب المايا ثلاث مليارات في الصين والهند، إلا أن فنون شعوب المايا وآدابهم وعلومهم وتقاليدهم الموروثة وطقوسهم مازالت تحتفظ بها شعوب هذه المنطقة، مدمجة إياها مع التطوّر الحديث وديانتهم المسيحية وغيرها من المعتقدات الفكرية والفلسفية التي وصلت إليهم عبر شعوب أخرى, لذا فهم متميّزون عن باقي الولايات الأمريكية، ولهم سماتهم الخاصّة ولغتهم ولهجتهم الماياوية.

آداب شعوب المايا

ظهرت بعض آدابهم في عصرنا الحالي متجسّدة في مسرحية «رابنال إتشي» المكتوبة بلغة «إتشيي» من بعض لغات المايا، واعتبرتها الأونيسكو من أجمل روائع التراث الشفهي اللامادي للبشرية, كذلك برعت في تاريخ الأسطورة «بوبول فولا»، وكتب «كستلام بام»، وهذا ما يجعل علماء العالم يتأسّفون على ما دمّره الغزاة الإسبان لحضارة عريقة، كانت لتعطي العالم تطوّرًا ومعرفة مهمّة توفّر عليه كثيرًا من الجهل والجمود, إلا أن الجهل الأعمى لمَن بشّروا بالدين الجديد المسيحي- والذي جوهره محبة- كانت غايتهم الدنيئة في البحث عن الذهب والثروات الدفينة لأراضي المايا تعمي عقولهم وقلوبهم عن الإيمان ليستتروا به ويفنوا شعوبًا وحضارة عاشت ثلاثة آلاف عام دون مزاحم، بحجّة تدمير الوثنية ومعابدها، فأحرقوا معظم مكتباتهم وما فيها من تقويمات فلكية وحسابية وطبّية، وغيرها من الفنون الصارخة بأجمل الزخرفات في معابدها، ولم يصل للعلماء سوى النذر القليل الذي يعرِّف عنها اليوم.

الفنون في حضارة المايا

تطوّرت فنون المايا خلال 3000 عام من وجودها لتصل في فترتها الكلاسيكية ما بين 200-950م إلى أجود تقنية حرفية عرفتها، تظهر جمالية نقوشها ومنحوتاتها الجصية في «بالينكي»، وتماثيلها في «كوبان» المجسّدة بدقة لتظهر شكل الإنسان القديم، إلا أنه لم يبق منها سوى نذر يسير, وبعض الأبنية التي نجت كمعجزة لتثبت لعالمنا اليوم همجية الغازي (أبنية وجداريات «بوناباك» بلونها الفيروزي الذي مازال يحتفظ بجماله كجمالية جداريات مقابر أهرامات الفراعنة), وفي «سان بارتولو» جداريات فنّية وأيقونات متقنة تظهر قمّة تطوّرها وروعته بإظهار أسماء فنانيها مذيّلة بنهاية اللوحة أو الأيقونة كالفن المعاصر اليوم.

الهندسة العمرانية

تكمن عبقرية الهندسة عند شعوب المايا في أهراماتهم العجائبية، والتي تعود لأكثر من 3 آلاف عام، والتي تضاهي بهندستها أهرامات الفراعنة، رغم صغرها من ناحية الضخامة والمساحة والطرق الهندسية، إلا أنها تحاكي الموت والبعث والعودة للحياة من جديد, كذلك كهوفها العجيبة (كهف ناج تنيش, جولجا, كانديلاريا, كهف الساحرة)، أما الكهوف الحديثة «مرتفعات شيتاباس» التي أرّخ أدباءها أساطيرًا، مستوحين ذلك من النقوش والميتالوجيا المحفورة والمرسومة على جدران تلك الكهوف.

وقد عُرفت شعوب المايا بإصرارها على إبقاء حضارتها حيّة وخالدة, فكانوا يعيدون بناء أهراماتهم أو يرمّمونها بما يتوافق مع تقويمهم السنوي الذي يحصل كل 52 عامًا، ويشرف عليه الملك شخصيًا ورئيس الكهنة, وأهمّ معبد كان «الأكروبول» في شمال «تيكال» رغم إجراءات التعديلات عليها على مدى 1500 عام، إذ اعتمدوا على الرقم 9 في بنائهم لتلك الأهرامات، فجاءت تسعة أهرامات متشابهة الشكل، وتميّزت بهندسة متناسقة مع أساليبها الفنّية, وأهمّها هرم «باكساولكسلو», واستُخدمت هذه الأهرامات لإحياء ذكرى نهاية 20 عامًا تُعرف بـ «دورة كاتون»، ممّا يجعلنا نتعرّف على تقويم المايا الفلكي, فهو ليس مجرّد حسابات رقمية أو رياضية، بل معتمدة على الفلك بكلّ أجرامه السماوية وتأثيراته على الأرض والتغيّرات التي تطرأ عليها من خلالهم, فهو ليس تنبؤًا أو شعوذة ساحر، بل هو علمٌ قائم بذاته, وما نشهده من تغيّرات مناخية منذ عقود يثبت فعالية تقويمهم خاصّة على مدى 12 سنة، وسيستمرّ حتى تنتهي 52 سنة، أي منذ بدء الألفية الثانية. وربطه بتحذيرات علماء المناخ والجيولوجيا بالتغيّرات التي تحصل على الكرة الأرضية, من ذوبان جبال الجليد والفيضانات وتضاعف قوّة الأعاصير والجفاف وحمّى الحروب المستمرّة.

وكانت كتابات المايا رمزية، شبيهة بالهيروغليفية الفرعونية المصرية، ودوّنت مخطوطاتها على الأعمدة الحجرية والمذابح والمعابد وعوارض الأسقف والعتبات وجدران الكهوف، ورسمت على الأواني الخزفية، ونقشت على المعادن والأحجار الكريمة, أما الأرقام لديهم فهي مختلفة أيضًا عن علم الأرقام عند الحضارات السابقة وأشكالها, الوحدة تساوي نقطة «.», والخمس وحدات تساوي قضيب «ـــــــ», والعشرون وحدة تساوي هلالا«)», كما اتخذوا صورًا من الحيوانات والإنسان كوحدات عددية, وكانت كتبهم مصنوعة من لحاء الأشجار ليدوّنوا عليها حساباتهم وآدابهم وتقويمهم وأساطيرهم ومعتقداتهم, ونقشوا رموزهم على الأحجار الكريمة الخاصّة للملوك والأمراء ورؤساء الكهنة, وأرباب الأدب واللغة والحساب والعلوم الفلكية.

عبقرية هندسة المدن عند شعوب المايا

شهدت مدنهم ومعابدهم- عبر التاريخ- تطوّرًا مهمًّا، فبنوا معابدهم على أعلى قمّة الهرم، وكانوا يرمون أضحيتهم من أسرى أعدائهم بعد أن يصبغونها باللون الأزرق من أعلى القمّة لتسقط جثّة هامدة عقوبة لكلّ مَن يعتدي على أرضهم, وتطوّرت مدنهم لتتوافق مع تضاريس جبالهم الوعرة، فجاءت أشبه بالحصون والقلاع، تحسّبًا للغزاة الذين يستهدفونهم دائمًا، طمعًا بمياههم ومحصولاتهم الزراعية, وبنوا «الأكروبول الملكي» ومراصدهم الفلكية لمراقبة النجوم والكواكب التي يعتمد عليها وجود حضاراتهم, كذلك كان لديهم ملاعب لكرة القدم, وكانوا يحيطون مدنهم بالأسوار شأن معظم الحضارات السابقة, أما أهمّ مدنهم «كوبان»: وهي (هندوراس اليوم)، فهي أكثرهم جمالاً وروعة في الهندسة، وأنشئت عام 736م، وهي المركز العلمي للمايا.

واختلفت عند شعب المايا أشهر السنة عن السنة عند الشعوب الأخرى, فحدّدوا مدّة السنة المدارية فكانت 18 شهرًا بدل 12 شهرًا عند الحضارات السابقة (بلاد ما بين النهرين)، إلا أن الشهر عندهم 20 يومًا، ويحتفلون بعيد رأس السنة في كلّ عام، ويضيفون خمسة أيام على السنة وتكون هي مدّة أيام الاحتفال, وكذلك وضعوا جداول الخسوف والكسوف والمعادلات لضبط التقويم، مشابهة في دقّتها ما يُستخدم حاليًا لدقّة التوقيت في عصرنا الحالي, وجاءت مدينة «كومالكالكو» (ولاية تاباسكو) أقصى غرب المايا- موطن شجرة الكاكاو، والتي كانوا يستخدمون بذورها كعملة للمقايضة على سلع تحضرها شعوب مجاورة وبعيدة للتبادل التجاري, واعتُبرت مدينة «كينتابارو» التي أنشئت عام 623م أهمّ مركز ديني في شبه جزيرة «يوكاتان» في الشمال الشرقي لحضارة المايا، وكانت تحجّ إليها الشعوب القريبة منها, وكان لهم أيضًا أهمّ مركزيْن تجارييْن: مركز «واكساكتون» (600ق.م حتى 889م)، ومركز «تيكال» (800 ق.م حتى 869 م)، وكانا يشكّلان موقعيْن استراتيجييْن، حيث إنهما يقعان بين نهريْن يصبّان في خليج المكسيك وبحر كاريبي.

ما سبب اندثار حضارة المايا

المفاجئ أو المنظّم؟

تعدّدت توقّعات وتكهّنات أسباب اندثار حضارة المايا المفاجئ ودون سابق إنذار. هل هذا حقيقة أم أنها خدعة المستعمر الجديد؟

1- بدأت حضارة المايا في وسط أمريكا بتاريخ 11 آب 3114 ق.م، وذلك استنادًا على تقويمها الذي يعتمد العدد الطويل, ونشأت على ساحل المحيط الهادئ في منطقة «سوكونوسكو»، التي كانت تسكنها- قبل مجيئهم- شعوب «الميكسي» و «البوبولوكاس»، وتمازجوا مع شعوب المايا القادمين الجدد، وتأثّروا بثقافتهم وحضارتهم التي أنعشت بلادهم بالزراعة والصناعة والتجارة والفنون الهندسية، وعُرفوا بعدها بشعوب «الأولمك», وهذا ما يدلّ على تعدّد لهجات المايا, وكان الحاكم من شعب المايا وهو الملك الحاكم ويعرف بـ «آجاو», وكانت طبقة الكهنة لها سلطة كهنوتية سياسية تدير بها جميع الممالك المنضمّة إليها، ممّا جعل الحروب تنشأ فيما بين النبلاء، تنافسًا على حكم بعض الممالك، ويُعتقد أن الحروب أنهكت مملكة المايا وقضت عليها.

إلا أن هذا السبب مستبعد، لأن هذا كان هو حال جميع الممالك في ذلك الوقت، وبسبب بناء بيوتها الدفاعية المحصّنة على شكل قلاع وحصون يستبعد أن تكون الغلبة لأحد الممالك غيرها، أو يكون هذا سببًا لاختفائها المفاجئ كحضارة عمرها 3 آلاف عام.

2- اختفاء المراكز الدينية وانحلالها بين عامي 750 و900 بعد الميلاد بعد انتشار المسيحية, وتوقّفت الشعوب المجاورة عن الحجّ إليها، فخسرت الأموال والسلع والتقديمات التي كانت تؤمّن خزائن الدولة، وخاصّة الكهنة رؤساء المعبد, ممّا جعل النقش الأثري والعمراني يتوقّف، إلا أن اعتبار هذا سببًا للاندثار غير مرجّح، فهو لا يستند على مدلول علمي أو أثري ولا ديموغرافي يثبت هذا، ولم تسجّل أيّة حركة نزوح لهذه الشعوب إلى خارج موطنها. كما لم تسجّل أية عملية انقراض لسلالتهم بسبب الخسائر أو الحروب.

3- زيادة عدد السكان, غزوات خارجية لشعوب مناهضة ومنافسة, ثورة الفلاحين ضدّ سلطة الكهنة وطردهم خارج البلاد وتعرّضهم للقتل والحرق والتدمير من قِبل تلك الثورات, انهيار الطرق التجارية أوقف حركة النمو الاقتصادي، وأدّى إلى نزوح مفاجئ للسكان, ولكن حتى هذا لا يمحي شعبًا بأكمله من الوجود.

4-الكوارث البيئية والمناخية والأمراض الوبائية التي كشفت عنها أبحاث دراسية قامت بها لجنة تعتمد على علماء بالفيزياء لدراسة أعماق البحيرات في 2011, أنه ربما يكون قد حدث جفاف طويل لمدّة 200 عام جعلهم يندثرون، إلا أن هذا البحث أيضًا مستبعد، لأن أراضيهم تقع على أهمّ مصبّيْن في خليج المكسيك والكاريبي.

5- تحوّل أراضيهم للزراعة جعلت من حدوث التبخّر أمرًا مستحيلاً، ممّا خفّض نسبة هطول الأمطار، وأدّى هذا إلى الجفاف واندثارهم مع الوقت، وأكدت هذه النظرية «مجلة ساينس العلمية» 2012م، إلا أنه كان بإمكانهم النزوح إلى دول مجاورة واستكمال حضارتهم.

6- تمازج شعوب المايا مع شعوب أخرى ذات عرقية مختلفة (الناواتال) جلبت معها ثقافة ومعتقدًا مختلفًا للمايا، وكذلك انخراط شعوب «البوتون» أو «شونتال مايا», وجماعات «الناهوا»، وعملية التبادل التجاري مع هذه الشعوب خلخل العالم الثيوقراطي للمايا، ممّا جعل «البوتون» يستقوون عليهم، ويسيطرون على الحكم، الأمر الذي أدّى إلى نشوء مملكتيْن: «بوتوشان» وتقع عند مصبّ نهر «ريجالفا», والمملكة الثانية «إيتزامكانك» تقع عند نهر «كانيلاريا» وعاصمتها «أكلان»، وكانت هي الأقوى، ممّا جعلها تسيطر على المرافق الحيوية والتجارية والموانئ البحرية للمايا، ودارت بينهما حروب قاسية، ومع شعوب أخرى أيضًا مثل «الكوكوم» و «الزيو» في عام 1000م، أدّت إلى كونفيدرالية بينهم عُرفت باسم «مايابان» عام 1194م، وبعدها دارت معارك طاحنة مع «مملكة الزيو» التي انتصرت على «مايابان» بقيادة ملك الزيو «آه زوبان» الذي قتل كلّ أفراد العائلة المالكة «الكوكوم», ولكن تذكر السجلّات التاريخية أن مملكة «البوتون» عادوا وانتصروا عليهم في 1480م، بعد أن سيطر «المايابان» مدّة 280 عامًا، وقسّموا شبه جزيرة «يوكاتان» إلى 16 ولاية صغيرة، إلا أنهم عادوا إلى الحروب فيما بينهم حتى أتى الغزاة الجدد الإسبان، وهذا ما يعني أنهم لم يندثروا كليًا، بل استعادوا قوّتهم بسبب الحروب مع الإسبان، عدوهم الجديد الذي جعلهم يتّحدوا ليتخلّصوا منه كصراع على البقاء، حتى سيطر عليهم في منتصف القرن الخامس عشر ميلادي.

7- قدم الغزاة الإسبان وسط معارك طاحنة بين ممالك المايا، وحاولوا السيطرة عليها، مستخدمين الشعوب الأصلية للأمريكيتين من الهنود الحمر في قتلهم والتنكيل بهم، إثر وعدهم للهنود بإعطائهم تلك الأراضي الزراعية الوافرة بالغذاء والمياه والثروات، فقضى الإسبان على ممالك «الأزتك» و«الإنكا»، وقاومتهم شعوب المايا بشراسة، إلا أنها انهارت أمام جحافل الأسطول الملكي الإسباني بعد 170 عامًا من الحروب المتواصلة, ومحاصرة الجنود لهم, إلا أنهم ظلّوا صامدين في قلاعهم وحصونهم في أعالي الجبال وفي كهوفهم, حتى أتت أوامر الكنيسة بالقضاء عليهم نهائيًا ليتمكّنوا من استعمار أراضيهم كليًا، ونشر التعاليم المسيحية التي رفضت تلك الشعوب اعتناقها كرهًا بالغزاة القساة, فعمد قائد الجيوش الإسبانية على نفس الخدعة التي أباد بها السكان الأصليين لأمريكا من الهنود, فقدّم لهم- كعربون مصالحة وسلام- كمية هائلة من البطانيات الصوفية المعتمرة بوباء الجدري القاتل ليتدفّأوا بها في موسم الشتاء القارس, ونجحت خدعته مع شعوب المايا أيضًا وأبادهم شرّ إبادة, وقتل مَن اختبأ منهم في الكهوف، ودمّر وأحرق قراهم ومدنهم وكلّ ما يمتّ لهم بِصلة من وثائقهم ومخطوطاتهم وآثارهم وما وصلت إليه أيديهم، إلا الأهرامات التي أبت أن تنحني أمام قساوة المستعمر الجديد المستتر بحجّة إيمانه لإبادة الشعوب الآمنة والخائفة على ما آمنت به آلاف السنين.

وربما تكون هذه الإبادة هي أكبر دليل وبرهان مقنع عن سبب اندثار شعوب المايا المفاجئ, ذلكم الوباء الذي اختلس نعاسهم وجلدهم وقتلهم في فراشهم, وهذا ما نستعيده اليوم في الحروب الحديثة من استعمال الطغاة للأسلحة الوبائية والجرثومية- المحرّمة دوليًا- في حروبهم ليُنهوا انتفاضة شعوبهم الثائرة على الظلم والاستبداد.

وما بحثنا السابق عن (آلية تدمير آثار الحضارات السابقة) إلا دليلاً عينيًا على ما يُخطّط لإنكار وجودنا الحضاري عبر التاريخ.. لعلّ هذا يجعل أولي الألباب يتفكّرون ويحذرون ويعودون إلى رشدهم، ولا يعميهم إيمانهم المتشدّد بإلغاء الآخرعن أسباب وجودهم وتاريخهم، لأن الماضي هو أساس الحاضر، والحاضر هو أساس المستقبل.