Get Adobe Flash player

فبراير... عبر وعظات

 

  إن المناسبات الوطنية في حياة الأمم والشعوب المتقدّمة لا تعني فقط تعليق الزينات ورفع الأعلام والرايات، بل نقاط فاصلة وخطوات جادّة نحو المزيد من إحداث التقدّم والرقيّ والرخاء، من خلال استلهام العبر والعظات والدروس المستفادة من هذه الذكريات، لتكون دفعة لشحذ الهمم وتوجيه الطاقات نحو البوصلة لتصل السفينة إلى بر الأمان، ونحسب أن الكويت من هذه البلدان التي قطعت شوطاً كبيرًا نحو التقدّم والرقيّ والرخاء الذي صنعته الأجيال المتعاقبة جيلا بعد جيل. ومن هذا المنطلق، وبمناسبة الاحتفالات بالأعياد الوطنية خلال شهر فبراير المجيد، الذي يطل علينا كل عام لترتدي الكويت ثوبًا جديدًا كعروس في أبهى صورها، نتمنّى أن لا تمرّ علينا المناسبة الغالية كما تمرّ كل عام مرور الكرام.. مجرد أعلام نرفعها فوق المنازل أو نعلقها فوق السيارات وفقاقيع صابون نرشها في وجه بعضنا البعض.. فتلك مظاهر ثانوية للاحتفالات الوطنية، والتي إن اكتفينا بها فقط كتعبير عن فرحتنا وسعادتنا سنؤكد فهمنا الخاطئ والسطحي للأمور، فذكرى 25 فبراير هي ذكرى مجيدة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ لتحكي قصة شعب أراد الحياة فاستجاب القدر، وانكسر فيه قيد الاستعمار، وانجلى فيه ليل الغزو العراقي الغاشم. إننا نحتفل هذا العام- للذي لا يعلم- بذكرى مرور 50عامًا على الاستقلال، وذكرى مرور 20عامًا على تحرير الكويت من براثن الغزو الصدّامي البائد. فالذكرى الأولى أعلنت فيها استقلال الكويت في التاسع عشر من شهر يونيو عام 1961م في عهد المغفور له الشيخ عبد الله السالم الصباح، الذي تولي الحكم عام 1950م وكان عيد جلوس سموّه في الخامس والعشرين من شهر فبراير، وتمّ الاتفاق على الجمع بين العيدين في يوم واحد، ومنذ ذلك الحين والكويت تحتفل بعيدها الوطني في الخامس والعشرين من فبراير من كل عام، فما أعظمهما من مواقف وأحداث صنعت تاريخ شعب وقف صفاً واحدًا عبر العصور والأزمان، لم تفرّق أبناءه أبدًا العصبية أو الطائفية أو المذهبية، فكان الكويتيون إبان هذه الأحداث جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، وتلك هي أعظم وأجلّ الدروس المستفادة التي يجب أن نأخذها من احتفالنا بالأعياد الوطنية هذا العام من أجل بلسمة جروح النسيج الوطني الذي تعرّض لأكثر من طعنة كادت أن تودي به، وعلينا جميعًا أن نسعى جاهدين لغرس مفاهيم المواطنة والانتماء والولاء للوطن، فأفضل من أن نرش الصابون أو نرفع الزينات- كتعبير عن حبّنا لهذا الوطن- علينا القيام ولو بوضع لبنة صغير في جدار التنمية، من خلال التفاني والإخلاص في العمل، فالوطنية ليست مجرد شعارات نحشو بها عقول النشء، لكنها أفعال ومواقف يشهد لها القاصي والداني. إن الشعوب الطامحة في الرقيّ والازدهار دائمًا ما تبحث عن العبر والعظات وتنقب وتبحث في تاريخها عن ما يحفّزها ويدفعها دفعة للأمام، فالمستقبل ابن الماضي، فعلينا أن نجعل من أعيادنا الوطنية هذا العام انطلاقة نحو تحقيق التنمية لتعود الكويت درّة الخليج كسابق عهدها، فلقد سبقتنا دول شقيقة وصديقة، وكم هي معلومة أسبقيتنا وريادتنا لهذه الدول، أما الآن فلقد قطعت هذه الدول أشواطاً هائلة نحو التنمية والتقدّم والازدهار، ومازلنا نحن غارقين في التجاذبات السياسية والتأزيم الذي يعدّ الأرضية الخصبة لضرب الوحدة الوطنية وسعي خفافيش الظلام لتمزيق النسيج الوطني الذي جُبل أبناء الكويت على احترامه وتوثيق أواصره منذ النشأة الأولى. وللحقيقة فإننا نقول: إن الأعياد الوطنية فرصة عظيمة لإعادة ترتيب البيت الكويتي من الداخل، كما أنها فرصة للمصالحة ونبذ ما في نفوسنا من أحقاد وضغائن، وتنقية الأجواء، والعفو عمّا سلف وما بدر منا نحو بعضنا الآخر، حتى ينطلق قطار التنمية من جديد في كل المجالات، ويكون جهدنا وفكرنا وعرقنا هو الوقود والمحرّك لهذا القطار، فالخير في الكويت إلى يوم الدين بإذن الله تعالى، ولكن علينا التمسّك بحبل الله جميعًا وألا نتفرّق، وأن نكون من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ومن الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فتلك هي مبادئنا وقيمنا الإسلامية الأصيلة التي جُبلنا عليها نحن أبناء الكويت. إن الفرصة مواتية الآن، والأجواء مهيّأة، والروح الوطنية متأجّجة، فعلينا اغتنام الفرصة فلنجعل من فبراير 2011 ذكرى تاريخية، لنضيفها إلى رصيد الذكريات الوطنية، من خلال فتح صفحة جديدة، وطي صفحات الماضي المليئة بالأخطاء والسلبيات من أجل الكويت، ولا شيء غير الكويت، فالأوطان تبقى، أما البشر فإنهم يزولون، فالكويت تستحق منا الكثير، ومهما فعلنا من أجلها فلن نوفيها حقها الذي هو دَيْن في أعناقنا جميعًا. وكل عام وأنت بخير.

بقلم: رئيس الاتحاد العام لعمال الكويت -

رئيس تحرير مجلة العامل

فايز علي المطيري