Get Adobe Flash player

حلف الناتو... من عقيدة دفاعية إلى تبعية هجومية أميركية

 

 

بعد أن تقلصت مهام حلف الناتو إثر تفكك الاتحاد السوفيتي، وانتفاء الحجّة للدفاع وحماية أراضيها من أي حرب مستقبلية يشنه عليها، حتى أصبح لديه هدف أكبر هو حماية جميع بقاع العالم من أي اعتداء لدولة على دولة أخرى، أو التأهّب لأي هدف عسكري يطال بلدان الدول الأعضاء وقيادييها من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، وبهذا نرى أن المفهوم الأيديولوجي بدأ يأخذ منحىً أكبر من مجرّد الدفاع عن الحلف وداعميه، متحوّلا من انتهاجه للعقيدة الدفاعية إلى عقيدة عسكرية هجومية وتنفيذية لمهام حربية في كل بقاع الأرض، بما يخدم الاستراتيجية العسكرية والسياسية لأمريكا بالسيطرة على كل دول العالم سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا بعنوان إرساء السلام والعدل والديمقراطية على كل الشعوب، ولكن الهدف الأكبر هو الهيمنة على ثروات العالم من نفط وغاز لإحياء اقتصادها واستمراره بمفهوم استعماري غير مباشر، لتشريعه قوانين عبر حلف الناتو تمكّنه من التدخّل في شؤون الدول الداخلية بمختلف تناقض أيديولوجياتها ودينها وحضاراتها مع بلاده، أولا لمنعها من التسلح النووي حتى لا يتفرّد أحد به ويهدّد وجودها، وثانيًا لمنع أي تسلح عسكري ينافسها تطوّرا ويمكن أن يهدّدها حتى في المستقبل البعيد.

 

لمحة عن نشأة حلف الناتو ومهامه

منظمة حلف الناتو: هي مجموعة أجهزة سياسية وعسكرية، إدارية وتنفيذية، مركزها الدائم في بروكسل، ذات كيان مستقل ومهامها محدّدة، للتنفيذ بما يخدم الغرض من أسباب وجود الحلف، ويتضمّن هيكلية تنظيمية تحتوي على عدّة لجان لتنشئ مؤسّساتها المختلفة وقواعدها العسكرية في مناطق محدّدة في أوروبا وغيرها من المناطق التي تهدف إليها استراتيجية الحلف.

وهيكلية الحلف تتألف من تنظيمين: تنظيم مدني- تنظيم عسكري

أولا: هيكل التنظيم المدني: ويتألف منه حلف شمال الأطلسي، وهو أعلى سلطة للناتو لاتخاذ القرار السياسي والعسكري، بالطبع بعد التشاور مع دول الأعضاء في الحلف عبر ممثليهم  الذين يتألف مجلسهم من وزراء الخارجية والدفاع والمالية، وقد حدّدت اختصاصاتهم الواسعة في 17 سبتمبر 1949م. وقد تطوّرت أعمال الحلف تدريجيًا ومرّت بعدّة دورات أهمّها: (الدورة الرابعة- لندن)... والهيكل التنظيمي المدني للحلف يتكون من:

1- الهيئة الأساسية للحلف: فقد تألفت لجنة للحلف تنعقد مرّة من كل عام، وكان أهمّ دورات هذه اللجنة هي الدورة الرابعة في 19 ديسمبر1950م، واللجنة تمثل فيها كل الأعضاء وتقوم بذات مهام الحلف، من وضع السياسة العامة والخاصة للحلف، دون انتظار الموعد السنوي لاجتماع المجلس، ومقرّها في باريس وتعرف بالهيئة الأساسية للحلف.

2- اللجنة الاقتصادية والمالية: هي لجنة غير دائمة، ومهمّتها التوجيه خاصة في الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية، والتي ترتبط بشكل مباشر عندما تنفّذ الاستراتيجية العسكرية للدفاع وما يتطلب هذا من إنتاج سلاح عسكري واتخاذ الأساليب المثلى لعدم هدر الموارد المالية في الأزمات والحروب.

ثانيًا: هيكل التنظيم العسكري: هو لجنة دائمة مركزها واشنطن- الولايات المتحدة الأمريكية، ويتألف أعضاؤها من أركان الحرب لدول الحلف، هذا وقد أقرّ الكونغرس الأمريكي في 6 أكتوبر1946م قانون إقرار التعاون على الدفاع المتبادل بميزانية بلغت في ذلك التاريخ 100 مليون دولار مع الحلف الأطلسي.

وتتمثل مهام التنظيم العسكري في: توجيه السياسة العسكرية للحلف وتطبيق قراراتها.

وتتفرّع عن هذا التنظيم لجنة عسكرية تتمثل من الدول الكبرى (أمريكا- بريطانيا- فرنسا) عبر ممثليها العسكريين الذين يقدّمون التوصيات إلى لجان التنظيم الإقليمية وهي:

1- لجنة القيادة العليا للقوات المتحالفة: والتي أنشأت في أوروبا في 20 ديسمبر 1950م، وتوضع كلّ القوّات العسكرية تحت قيادتها للدفاع عن دول الأعضاء ضدّ أي غزو أو تهديد خارجي من الاتحاد السوفيتي وحلفائه.

2- لجنة كندية- أمريكية تتمثل بمندوبين عسكريين للمشاركة في المهام العسكرية والدفاعية.

3- لجنة الإنتاج العسكري: وهي مسؤولة عن تنمية البرامج العسكرية من تسليح ودفاع وإنتاج جميع أنواع الأسلحة التي تساعد القوّات المسلحة للأعضاء في توحيد مهامها لتحقيق الهدف بالدفاع عنها من أي خطر مباغت.

أما عن التسلح في حلف الأطلسي أو الاستعداد العسكري الوطني، فإن على كل دولة عضو في الحلف أن تدعم قوّاتها العسكرية برّيًا وبحريًا وجوّيًا، وأن تقوم بجميع الإجراءات اللازمة للتصدّي للعدو وأي هجوم طارئ من تخطيط وتجهيز هندسي للمواقع وغيرها من الأمور المختصّة بالدفاع.

الاستعداد العسكري مع الدول الحليفة

وقد وضع الحلف خططًا مشتركة للعمليات العسكرية وتوحيد وتنسيق جميع النظم المعمول بها داخل القوّات المسلحة، ومن بين هذه الخطط:

1- الاتفاقيات الثنائية للحلف الأطلسي: وتقوم هذه الاتفاقيات العسكرية بين دول الحلف وأمريكا.

2- لا يحقّ لأيّ عضو من أعضاء الحلف الحصول على مساعدة عسكرية من خارج المنطقة الجغرافية للحلف إلا بإذن أمريكا التي لها الحق  في طلب موارد عسكرية من الدول المستحقة للعون أو التي تطلب العون.

3- يجب على كل الدول المستفيدة من الحلف المحافظة على الأسرار العسكرية والفنية، ومكافحة التجسّس باتخاذها الاحتياطات اللازمة لمنع الوقوع بأي خطأ.

4- لكلّ من الطرفين الحق في إلغاء الاتفاق شرط الإعلان والتبليغ  عنه قبل عام.

5- يتمتّع جميع العسكريين والموظفين المشرفين على تنفيذ الاتفاقيات بالامتيازات والحصانة الدبلوماسية، ويلحقون بالسفارات والمفوّضيات الأمريكية الموجودة في عواصم الدول المتعاقدة معهم.

صعوبات تسلح الحلف

 إن عملية التوحيد في التسلح لكافة القوّات المسلحة لدول الحلف تواجه عدّة صعوبات منها:

1- صعوبات فنية: في محاولة ربط الهيئات العسكرية والسياسية بسبّب تنوّعها واختلافها وتعدادها.

2- صعوبات مالية واقتصادية: بسبب قصور الإمكانات الأوروبية، ممّا يعطي لأمريكا صفة القيادة الأولى لمدّ تلك الدول بمعدّاتها العسكرية المتطوّرة.

3- صعوبات قيادية: حيث حُسمت الرئاسة بشكل دوري بسبب الصراعات بين دول الأعضاء على ترؤس الحلف السياسي والعسكري، ومازال الصراع قائمًا على القيادة العسكرية لحساسية الموقع.

4- عملية تسلح ألمانيا الغربية قبل انضمامها للحلف: حيث إنها كانت تشكّل معضلة له خوفًا من انضمامها للاتحاد السوفيتي.

استراتيجية الحلف في الخمسينات 1949- 1954

أهداف الحلف خلال السنوات الخمس الأولى: لقد تأثر الحلف بالحرب الكورية في يونيو 1950م، حين هاجمت كوريا الشمالية بمساعدة الصين الشعبية  كوريا الجنوبية وشنّت حربًا عليها، ممّا دعا الحلف إلى التدخّل لحفظ الأمن وفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على كوريا الشمالية، أدّت إلى إنشاء قوّة عسكرية متأهّبة لصدّ أي عدوان، ممّا أدى إلى التغيير في استراتيجية الحلف.

ونلخّص استراتيجية الحلف في الخمسينات في النقاط التالية:-

- في 15-2-1951 عُقد مؤتمر أوتاوا لدراسة التزامات الحلف، ولدراسة زيادة ميزانية إنفاق التسلح العسكري والدفاع عن ألمانيا الغربية وتشكيل لجنة طوارئ.

- وفي سنة 1954 استكمل الحلف التجهيزات العسكرية بنسبة 100% لحفظ الأمن في أوروبا الغربية، خصوصًا بعد انضمام ألمانيا الغربية لحلف الناتو وإجلاء القوات العسكرية الأمريكية والفرنسية والبريطانية عنها وإنهاء احتلالها لها.

- مضاعفة ميزانية التسلح أكثر من 8 مرّات للإنفاق العسكري.

- في 25 فبراير 1952 عُقد مؤتمر لشبونة الذي انضمت إليه كل من اليونان وتركيا اللتين صدّقتا وقّعتا على اتفاقية الحلف، وبحث هذا المؤتمر القدرات الدفاعية لدول الحلف، وإنشاء لجنة طوارئ، والتي قرّرت أن الفترة الانتقالية تمتدّ إلى 1954م.

- في 15 مايو 1955 تمّ توقيع اتفاق مع النمسا وإنهاء الاحتلال الرباعي لها من فرنسا وبريطانيا وأمريكا والاتحاد السوفيتي.

حلف الناتو في عصر الحرب الباردة

بدأ سباق التسلح بين الاتحاد السوفيتي من جهة وأمريكا ودول حلف الأطلسي من جهة ثانية، خاصّة عند إلقاء أمريكا قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي- اليابان في 6/9/1949م، لإنهاء الحرب العالمية الثانية.

فبدأ الاتحاد السوفيتي بإنشاء حلفٍ موازٍ للحلف الأطلسي التابع لأمريكا عرف بـ (حلف وارسو) وذلك في 14- مايو-1955م، وضمّ هذا الحلف (حلف وارسو) دولاً من أوروبا الشرقية مع الاتحاد السوفيتي (بولندا- وألمانيا الشرقية- وتشيكوسلوفاكيا- ورومانيا- والمجر- وبلغاريا، وألبانيا التي انسحبت فيما بعد من الحلف في 1968م)، ممّا أبعد شبح الحرب العالمية  الثالثة، ولكن بدأت الحرب الباردة، وممّا زاد في تفاقمها التفوّق في الإنتاج العسكري للطرفين من الحلف الأطلسي وأمريكا من جهة، والاتحاد السوفيتي وحلفائه من جهة أخرى، فزادا في سباق التسلح النووي والتجارب النووية والتي منها على سبيل المثال: (بريطانيا في أكتوبر 1952م، وفرنسا في صحراء الجزائر 1960م، والاتحاد السوفيتي في 8 أغسطس 1953م)، وكذلك تطوير صناعة الصواريخ البالستية والطائرات  الحربية والغوّاصات والرادارات، والاكتشافات الفضائية، ممّا أنهك الناحية الاقتصادية للطرفين  وزاد من حدّة الأزمات المالية التي ظهرت تداعياتها بالسنوات العشر الأولى للقرن الجديد الواحد والعشرين.

تقرير هارمل

تمّت موافقة مجلس حلف الناتو في ديسمبر 1967م على المهام المستقبلية للحلف أو ما عُرف «بتقرير هارمل» الذي يهدف إلى اتباع سياسة ايجابية للبحث عن حلول واقعية تؤدّي للوفاق بين الشرق والغرب، والذي دعا إلى تكثيف إجراءات لنزع التسلح النووي وضبطه بقيود محدّدة وانبثق عنه: مؤتمر التعاون والأمن في أوروبا 1969م لتحقيق السلام والأمن في أوروبا، وتمّ عقد مؤتمر أوتاوا 1974م والمتعلق بعلاقات الأطلسي مع أمريكا الشمالية وحلفائها الأوروبيين، كما تمّ توسيع الحلف بانضمام إسبانيا إليه، واستمر توسيع الحلف ليتلاءم مع الصراع المستمرّ بين الكتلتين الشرقية والغربية.

- وتوحدت ألمانيا الغربية مع ألمانيا الشرقية في 18 مارس 1990م.

- بينما تفكك الاتحاد السوفيتي في 26 ديسمبر 1991م.

تقلص مهام الناتو وبدء تحوّله

تقلصت مهام حلف الناتو إثر تفكك الاتحاد السوفيتي وانتفاء الحجّة للدفاع وحماية أراضيها من أي حرب مستقبلية يشنّها عليه، إلا أن الحلف كان لديه هدف أكبر وهو حماية جميع دول العالم من اعتداء دولة على دولة، كما حصل في التسعينات عندما غزا العراق دولة مجاورة له هي الكويت ممّا اضطر القوّات الأمريكية وحلف الأطلسي بالتدخّل لطرد الغزاة العراقيين بعملية عسكرية عُرفت بـ «عاصفة الصحراء» التي حرّرت الكويت، ومن ثمّ احتلال العراق وإسقاط النظام العراقي المستبدّ برئيسه صدام حسين، إلا أن القوّات الأمريكية لم تنسحب إلا في  ديسمبر 2011م بعد أن خسرت من جنودها حوالي 5 آلاف جندي مقابل حوالي مائة ألف قتيل من الشعب العراقي.

وبدأ حلف الناتو بالتحوّل من المفهوم الأيديولوجي الدفاعي عن دول الأعضاء وقياداتهم وداعميهم من بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وبعد أن كان ينتهج العقيدة الدفاعية تحوّل للعقيدة العسكرية والهجومية، وذلك بتنفيذه لمهام حربية هجومية في معظم دول العالم بما يفيد الاستراتيجية العسكرية والسياسية الأمريكية، لاستكمال هيمنتها على العالم اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، وبالطبع فإن الهدف الأول والأهمّ هو السيطرة على ثروات العالم  من نفط وغاز ومياه ومعادن،  لإحياء اقتصادها واستمراريته مع حلفائها وبمفهوم استعماري جديد ولكن غير مباشر، من خلال تشريع قوانين عبر حلف الناتو ولجانه يسمح لها بالتدخّل في شؤون الدول الداخلية.

خطة حلف الناتو

- التوسّع بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة هيكلة الحلف لمواجهة الواقع الجديد بعد انتهاء الحرب الباردة وإقامة تحالفات سياسية وعسكرية جديدة تتلاءم مع استراتيجيات القرن الواحد والعشرين وأهمّها: ضمّ أعضاء جدد من دول شرق أوروبا ووسطها، ومعظمها كان في (حلف وارسو) حلفاء الاتحاد السوفيتي سابقًا، بهدف توسيع جيوسياسية الحلف وعسكريته، بالإضافة لتوسّع مهامه من أوروبا فقط إلى كل العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الأدلة على ذلك:

1- عدا احتلال العراق، قام الحلف بالتدخّل في حرب البلقان في تسعينات القرن العشرين، وجاء على لسان السفيرة الأمريكية لدى الحلف «فيكتوريا نولاند» بأن الحلف قطع شوطاً كبيرًا في عملية التحوّل التي يمرّ بها بمشاركته في «حرب البلقان»، والذي شارك أيضًا في حرب كوسوفو بضربات جوّية عام 2000م، وأيضًا في القارة الأفريقية في الصراع القائم في إقليم دارفور- السودان. واقترابه كثيرًا من دول القوقاز.

2- وقّعت وثيقة أساسية لعلاقات أمن متبادلة بين الفيدرالية الروسية ومنظمة حلف شمال الأطلسي في باريس عام 1997م أجراها زعماء دول الحلف مع الرئيس الروسي «يلتسين».

3- في 12- 13 ديسمبر 1997م تمّ قبول عضوية 11 عضوًا جديدًا في الحلف الأطلسي، وانضمت كلّ من بولندا وتشيكيا والمجر إلى الحلف.

4- في 1998م بدأ تطبيق قواعد جديدة لدخول مواطني بلدان رابطة الدول المستقلة التي لم توقّع معاهدة استعادة المهاجرين غير الشرعيين إلى بولندا.

5- في 10 شباط- فبراير 1998م صرّح وزراء خارجية (بولندا- وتشيكيا- والمجر) بتقديم الدعم السياسي والعسكري إلى أمريكا في حال استخدامها القوّة ضدّ العراق، وهذا ما حصل بعد 5 سنوات من الحرب على العراق. وفي نفس السنة تمّ انضمام دول أوروبا الشرقية وجمهوريات البلطيق الثلاث.

6- في 1999م وقّعت روسيا الاتحادية برنامج (الشراكة باسم السلام) الذي ارتكز سياسيًا على مجلس الشراكة الأوروأطلسية الذي انضمّ إليه 46 بلدًا، من بينها أوكرانيا وروسيا الاتحادية، ولكنها جمّدت عضويتها في الحلف بعد تدخّله في حرب كوسوفو 1999م، ومن ثمّ عادت إليه بعد انتهاء الحرب عليها في 2000م.

بعد هذا التوسّع الجغرافي والسياسي والعسكري للحلف تحوّل إلى حلف عسكري محيط بروسيا من جميع الجهات ومواجهًا لها، بعد أن تمركزت قوّات الحلف بقواعدها العسكرية ونشرت منظومة الدرع الصاروخية في بعض تلك الدول المنضمّة للحلف والقريبة من الحدود الروسية وبيلاروسيا، واعتبر «بوتين» رئيس روسيا الاتحادية الجديد بأن «يلتسين وغورباتشوف» ارتكبوا الخطيئة الكبرى بانهيار الاتحاد السوفيتي لتجاهلهما أهداف الحلف التوسعية، وأعاد دعم دفاعاته العسكرية وإنتاجها العسكري وتطويره بميزانية عالية ليوازي بقوّاته الحلف الأطلسي وأمريكا، ممّا أثر على تأزّم اقتصاده الداخلي.

حلف الناتو بعد أحداث11 سبتمبر2001

جاءت أحداث11 سبتمبر الإرهابية لتغيّر استراتيجية أمريكا والحلف تجاه المنطقة المحاذية لروسيا وهي أفغانستان- مركز القاعدة الإسلامية الأصولية- التي شنت الهجمات الإرهابية على أهمّ مركزين أمريكيين، مخترقة الأمن القومي الأمريكي ومهدّدة بنشر الفوضى فيها، إلا أن ردّة الفعل جاءت أكثر من انتقامية وإرهابية للعالم الإسلامي بأجمعه دون تمييز، خاصّة في السنوات الأولى للهجوم الإرهابي للقاعدة، ووضع استراتيجية هجومية عسكرية جديدة تشمل المنطقة بأجمعها عُرفت بـ «خارطة الطريق الجديدة للشرق الأوسط»، ممّا ساعد على نشأة منظمات إسلامية متشدّدة وأحزاب أخرى أثرت كثيرًا على حركة الاحتجاجات الأخيرة في الثورات العربية، إلى جانب استقواء النظام الإيراني بعد القضاء على أخطر أعدائه من القاعدة وطالبان في أفغانستان المجاورة لحدودها، وكذلك إسقاط النظام العراقي- عدوها الذي دامت الحرب معه لأكثر من 8 سنوات- ممّا جعلها تبدأ بالتخصيب النووي بمساعدة روسيا، الأمر الذي يهدّد تواجد القواعد الأمريكية والأطلسية في العراق وفي معظم دول الخليج ومياهه.

ورغم استئناف الجهود المبذولة للتقريب بين الحلف وروسيا في إنشاء بنية لمكافحة الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر، إلا أن العلاقات عادت للتوتر بين الحلف وروسيا بسبب مساعدة روسيا العسكرية لإيران ومدّها بالمعدّات العسكرية المتطوّرة المتمثلة في: (صواريخ بعيدة المدى، وطائرات أس300 وغيرها، وتقنيات لتخصيب اليورانيوم وبناء المفاعل النووي من أجهزة وفنيين تقنيين وعلماء مختصّين بهذا الشأن)، إذ تكلف محطتها النووية ما يقارب 67 مليار دولار، والمستفيد المباشر الأول هو روسيا بالطبع.

هذا، وقد أثرت الأزمة المالية سلبيًا على اقتصاد أمريكا ودول الحلف بأجمعها وعلى روسيا ومعظم دول العالم لتهزّ اقتصادهم وتسرع بخطط الحلف الاستراتيجية، لتعزيز وضع اقتصادهم بثروات منطقة الشرق الأوسط وخاصّة الخليج الغني بالنفط والغاز، وتعتبر إيران مصدرًا لا ينضب، إذ تمتلك من احتياطي النفط حوالي 137 مليار برميل نفط والثالثة عالميًا باحتياط الغاز الطبيعي، عدا ما تملكه دول الخليج من نفط وغاز.

ولقد جاءت الثورات العربية لتسقط أهمّ أنظمة حليفة لروسيا والحلف وأمريكا على السواء في شمال أفريقيا (مصر- تونس- ليبيا 2011م)، وكان تدخّل قوّات حلف الأطلسي وأمريكا لإسقاط النظام الدكتاتوري في ليبيا هو بمثابة ضربة قاضية لروسيا لخسارتها لاستثمارات نفطية بمليارات الدولارات، ممّا جعلها تحشد أسطولها عند تحرّك الثورات في معقلها السوري على ساحل المتوسط- الموقع الاستراتيجي لها- تحسّبًا لأيّ تدخّل للحلف أو أمريكا بالسيطرة على سوريا، مهدّدة إياها بالفيتو في مجلس الأمن، وكذلك منعًا لأيّ تدخّل عسكري  في إيران بحجّة ضرب المحطة النووية، وحتى لا تحكم الطوق على كل منافذ روسيا بسقوط أهمّ معقليها (سوريا وإيران).

تطويق قوّات الحلف الأطلسية والأمريكية لروسيا

كانت الأيديولوجية الشيوعية الروسية تقتضي التوسّع لتشمل كلّ أوروبا وشرق آسيا وربما العالم بأجمعه، إلا أن استراتيجية أوروبا وتوحّدها بإنشاء الحلف أبعد عنها شبح هذا التوسّع بمساعدة أمريكا لها، وبوضع خططٍ استراتيجية مستقبلية تحميها من أيّ خطر داهم أو مفاجئ، وتغيّرت المعطيات بالتوسّع الجيوسياسي والعسكري لصالح الحلف، وانعكس الخطر على روسيا في حربها مع جورجيا ومحاولة الحلف التدخّل للسيطرة، ممّا جعلها تسرع بلجوئها للمفاوضات وإبعادهم عن داخلها، خاصّة بعد تطويقهما لها في كلّ من أوكرانيا وجورجيا وأذربيجان وبلدان آسيا الوسطى، التي تعتبر المعبر الأوراسي الذي تتمركز به القواعد الأمريكية- الأطلسية، ومازال هناك خلاف بين روسيا وأمريكا على تطبيق معاهدة ستارت 2 حول نشر منظومة الدرع الصاروخية التي يقع مركزها في بولونيا والتي تهدّد روسيا بشكل مباشر، هذا بالإضافة إلى نشر الرادار في جمهورية تشيكيا، وآخر في تركيا التي تمثل العضو شرق أوسطي في الحلف، فكلّ هذه القواعد العسكرية تشكّل تهديدًا خطيرًا لروسيا وليس ضدّ إيران التي تهدّد بإقفال مضيق هرمز كضغط على السفن التجارية لأوروبا والحلف وأمريكا لتخفّف عنها العقوبات الاقتصادية، رغم استفادة روسيا اقتصاديًا من إقفال المضيق الذي سيسبّب أزمة مالية خانقة لدول الحلف لارتفاع أسعار النفط الخيالية والتي تعتبر روسيا المصدر الأول العالمي له.

تطويق الحلف الأطلسي وأمريكا للصين

وتتمثل خطة الحلف الأطلسي وأمريكا لتطويق الصين في الخطوات التالية:

- مشروعٌ مشترك بين أمريكا واليابان عام 1999م يهدف إلى قيام منظومة الدفاع الصاروخي، وتوسّع الحلف الأطلسي بحرّبه على يوغوسلافيا، ونشر القواعد العسكرية لها في كل من اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان لتشكّل طوقًا عسكريًا حدوديًا على الصين، كما أنها محاولة للسيطرة على المحيطات التي تجعلها تتحكّم بالتجارة العالمية وناقلات النفط والغاز ومشتقاتهما وبكل أنواع الثروات الأخرى والمواد الغذائية التي تعبر عليها.

- اختيار سنغافورة واليابان وبحر الصين الشمالي- وجميعها مجاورة للصين- كموقع استراتيجي لمناوراتها العسكرية بحجّة وقف التسلح النووي في كوريا الشمالية، وقد شاركت بهذه المناورات كلّ من (روسيا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا واستراليا وكندا وسنغافورة)، ممّا أثار ريبة الصين وشكوكها، ورفضت المشاركة بهذا المشروع في 2003م لأنه- باعتقادها- سيسمح لأمريكا بالتحكّم في الملاحة الدولية والتجارة العالمية.

- في31 مايو-أيار 2003م أعدّت أمريكا استراتيجية جديدة تسمح لها بانتهاك القوانين الدولية، وذلك بالسماح لها بتفتيش السفن والبحّارة المتواجدين في المياه الدولية.

- تواجد الشبكة البحرية من قوّات الأطلسي وأمريكا في المنطقة القريبة من الصين، حيث شاركت أكثر من 40 دولة في مناورات بحريّة في بحر عمان والمحيط الهندي، ممّا يهدّد الصين بالتزوّد بالطاقة، كما يهدّد التجارة الدولية بين أفريقيا وأوراسيا عبر المحيط الهندي.

- تشكّل القوّة البحرية العالمية 45 عبّارة حربية تعود لقوّات الأطلسي، وهي منتشرة في مياه الخليج العربي والشرق الأوسط وبحر عُمان، وتعتمد على العمليات 150 و 152 حيث تعمل هذه القوّة في خليج عُمان الذي ترابض فيه البوارج الحربية الإيطالية والفرنسية والألمانية وتعمل في الخليج العربي- الفارسي ومقرّ قيادتها في البحرين.

- ولهذا تحاول الصين، بعد تفوّقها الاقتصادي على العالم بعد أمريكا، أن تركّز على تطوير صناعاتها العسكرية، معتمدة على روسيا منذ سنوات حتى تفوّقت عليها بالإنتاج العسكري المتطوّر، وتحاول تطوير صناعاتها العسكرية البحرية من غواصات وسفن ومرافئ، كما تحاول استباق الحروب من خلال مدّ نفسها بالطاقة عبر أنابيب تمتدّ من إيران إلى الصين عبر باكستان، وتتعاون مع روسيا وإيران وجمهوريات آسيا الوسطى بهدف فتح ممرّ أطلسي- آسيوي يضمن للصين مدّها بالطاقة إذا حاولت أمريكا والحلف الأطلسي فرض حصار بحري في المحيطات، وتحسّبًا لأيّ حرب طارئة، الأمر الذي يجعل أمريكا تقفل مضيقي مالاكا وتايوان اللذيْن يتمتعان بأهمية جيوستراتيجية حيوية لنقل النفط وغيره من المواد إلى الصين، ممّا يجعل أمريكا والحلف يتحكمان بتزوّد الطاقة للصين في حال حاولت روسيا إقفال مضيق هرمز عبر إيران التي تطل عليه وتتحكّم به.

كلّ هذه التحرّكات تشير إلى أن الحرب الكبرى أصبحت وشيكة، إن لم يكن هناك مفاوضات ومعاهدات بين الطرفين: روسيا والصين من جهة، والحلف الأطلسي وأمريكا من جهة أخرى لاقتسام ثروات المنطقة، منعًا لتطوّرات هذه الحرب التي ستكون طويلة الأمد لمنع أي هيمنة أحادية على العالم ومحيطاته .