Get Adobe Flash player

جوهر الوجود من الولادة حتى النهاية طريقان لا ثالث لهما

 

نحن. الاخرون. نحن جميعا وأشدد على هذه الكلمة الجميلة الرائعة المحلقة حمامة بيضاء، مشعة، مشرقة، تلمع سلاما وبياضا ومحبة حينما يكون الجميع متحابين متعاونين سعداء ينعمون بالحرية والسعادة، حينما يتركون ورائهم التمايزات والفوارق الطبقية والدينية والمذهبية والطائفية والعنصرية والقومية، يتحدثون، يمرحون، يرقصون، يغنون، ينشدون، يتسامرون، يتحاورون، يعملون، يدرسون، أصحاء، يطمحون نحو الأفضل، يسيرون إلى الأمام مع الأمنيات والأحلام.
الولادة
وحينما يولد الإنسان، يخرج من رحم أمه، يشم هواء الوجود العلني، صغيرا، لا يميز بين الأشياء، هو الآن خرج إلى عالم يجهله تماما، لا يدركه، لا يفقهه أو يعلم ما يدور على تضاريسه من أحداث وظاهرات وقوانين وأعراف وعادات وقيم.
هنا على هذا الكوكب العجيب الذي دارت وتدور على أثره مذابح كبرى وحروب عظمى ومنجزات هائلة، عالم هائج، مائج، مزدحم، انتصارات انتكاسات، أحزان، أفراح وأعراس، أسرار، أساطير وخرافات ومأتم، كائنات تموت وأخرى تولد وتتناسل وتتكاثر، ومنذ ملايين السنين وهذه الكائنات، هنا على هذا الكوكب العجيب المدهش. تتكاثر، تأكل، تحلم، تستيقظ، تموت أو تقتل. أعاصير فيضانات وحروب وحرائق وأوبئة وخمائل ناعمة وبساتين وارفة بالظلال وأخرى بالغلال.
ونحن على هذا الكوكب العجيب، هذا الوليد الجديد الذي يرى الكوكب لأول مرة، ولأول مرة أصبح من سكانه وأضيف قسرا إلى عدد الكائنات الذي تمكث فيه ثم تتلاشى بعد حين وتندثر وتتوارى إلى الأبد.
هذا الكائن لن يظل هكذا يعبث بالأشياء، يزوده الآخرون ما يمد حياته بالنماء والقوة والبقاء، وحينما يبلغ سن الرشد، مرحلة الادراك الواعي سيبدأ المسير على هذا الكوكب ضمن كائناته ومحتوياته وستتراكم على مخيلته آمال وأحلم كبيرة وخطط لا حصر لها وسيبدأ صدامه مع حقائق ومعطيات هذا الكوكب بتناقضاته وتناحرانه وبكل ما يحتويه ويفرزه عبر الآلية الهائلة المذهلة التي يتكون منها بشقيها المادي والمعنوي، الملموس والروحي.
بداية الصراع
ويبدأ الصراع المرير بين هذا الانسان الذي أدرك الوجود واكتسب معرفته بظاهراته ونفذ إلى جوهر الحقائق جميعها ومكث فيها وتعرف على أسبابها ونتائجها والسبل الكفيلة بتغيير تلك الحقائق الرهيبة التي تواجه تحقيق ما حلم به وخطط لنيله وعزم على تحقيقه. هنا في هذه اللحظة الحرجة يواجه ذلك الكائن خيارين أمام مصيرين لا ثالث لهما: خيار ذاتي . خيار الانا . خيار الخاص. وخيار من نوع لا يمت للأول بأية صلة هو خيار الجميع الخيار العام. هل يحقق تلك الأماني والأحلام والخطط من خلال الأنا ثم ينكفئ ويتوقع ويتشرنق وينعزل؟ أم من خلال العام الواسع المتسع الشامل؟ أيهما يختار؟ هنا فقط يتقرر مصير حياته برمتها ومسيرة عمره بكاملها. فإذا اختار الأنا . الأنانية، الضيقة والفردية المقيتة وليذهب الجميع إلى حيث يذهبون. ليموت الجميع ويحترق الوجود إلا هو.
هذه فقط هي اللحظة الحاسمة والإنعطافة التاريخية الكبرى التي تقرر مصير حاضر ومستقبل حياته بكليتها الشاملة.
أهو لنفسه، لأناه الواحدة المجردة المتوحدة البائسة. المتكبرة الفارغة السخيفة؟ أم للآخرين. للغالبية العظمى من أبناء جنسه. يفرح كما يفرحون ويحزن كما يحزنون. كوكبا شهابا في سمائهم وشمعة تحترق لإنارة ليل حياتهم ومجابهة الظلم والإرهاب والاستغلال والإستبداد والقبح عن سطح هذا الكوكب المدهش الرائع.
تلك الانعطافة الحاسمة الصارمة هي التي تقرر مصير حياته وتكشف عن حقيقتها فإذا كان لنفسه. لأناه الفردية فقد عاش حياة أنانية حاقدة بائسة. حياة الكراهية والحق البعيدة عن الفضائل الإنسانية والقيم السامية التي تسعى حتى تعم الحرية للجميع. لتكون السعادة للجميع للعامة. للجموع. لسكان هذا الكوكب جميعهم وللكوكب ذاته وصيانته ووقايته من التدمير البيئي والتلوث والاستحواذ.
أجل تلك هي الإنعطافة التاريخية .
كلنا نبحث عن الخلود. أن يكون الإنسان مشهورا يخلده التاريخ. ولكن هذا الخلود لن يكون لذلك الإنسان الذي يسعى لأناه. لذاتيته الفردية ومصلحته الأنانية الضيقة المعزولة، ولن يكون خالدا إلا ذاك الإنسان الذي إختار العام. المجموع ليكون قدوتهم وطليعتهم وشمسهم التي تنير لهم الطريق وترشدهم إلى طريق الخلاص، طريق الحرية والسعادة والإرتقاء نحو مصاف المساواة الحقيقية والعدالة الإنسانية وهذا الإنسان لا يخلد إلا بالمأثرة والعمل المبدع الخلاق والمبادرة المبدعة الجديدة والتضحية.
تلك هي الحياة الحقيقية المنتجة لذلك الكائن الذي خرج إلى علنية الوجود. خرج من تضاعيف جسد تلك الأم الرؤوم الرائعة التي أنجبت هذا الوليد الذي أصبح علما بارزا وعرينا للمعذبين والمعدمين والكادحين على هذه الأرض الطيبة على هذا الكوكب العجيب.
المعركة الكبرى
وهنا على  كوكبنا هذا تجري رحى معركة وتدور عملية مرعبة هائلة من أجل التضليل والتعتيم بجوهر الحقائق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها في الطبيعة والمجتمع، عملية تضليل بغيضة وفظيعة بأحدث ما توصل إليه العلم من تقنيات ووسائل وأساليب. سيل جارف من الدعاية والتحريف وبث روح اليأس والاتكالية والنزعة الاستهلاكية والإحباط واحتقار الذات الإنسانية وتهميشها وإفراغها من روح المقاومة والمجابهة والإبداع والخلق والابتكار والمبادرة وحجزها في زاوية ضيقة وزرع فيها روح الخوف والتردد والعبث وإشغالها ومشاغلتها وجعلها آلة صماء وكائنا مسيرا بأدوات وأجهزة وأساليب تلك الماكنة العملاقة وجعله لا يطمح إلا لإشباع حاجاته البيولوجية كأي حيوان آخر، كمية معطلة مهملة إناء لاستيعاب ما يضخ به من سموم وتفاهات ونفايات وأنقاض بعد إستنزاف مقاومته والعبث وتدمير إنسانيته وتعطيل قدراته.
بعكس ذلك الإنسان الصامد الذي وعى حقائق هذا الكوكب بعد أن درس واستوعب واسترشد بنظرية عملية فلسفية من خلال العمل والفعل والممارسة والتطبيق لنظرية المعرفة العملية وأصبح يواجه عالما مفتوحا واضحا بكل ما فيه من أسباب ونتائج ومضاعفات وصراعات وتناقضات وتناحرات وأضحت حياته متلألئة متجددة بالأمل المشرف والحياة الحية النابضة المتدفقة الهادرة.
هذا هو الإنسان العام الذي منح حياته ثمنا من أجل أن يحيا الجميع حياة حرة وسعيدة وكريمة.
بعكس ذاك الإنسان وأناه المذعورة المستباحة التي تبحث عن خلاصها الفردي وأمانها الشخصي وعن سعادتها هي، فهي أنا مهزومة مأزومة، مندحرة، ملوثة الضمير وفاقدة للبسالة في الموقف والحضور والسلوك.
وهكذا هما طريقان لا ثالث لهما، كل طريق يقود سالكيه إلى مصير مختلف وحاضر مختلف ومستقبل مختلف، وهذه الحقيقة ليست نظرية فقط بل أن الواقع الفعلي في حركته المطلقة كشف عنها وبالإمكان لمسها ومعايشتها والتماهي معها.
تلك خلاصته مكثفة لتجربة شخصية تم خوضها على مدى سنين طويلة. تجربة غنية وغزيرة وقاسية وواعية، مخلصة ونزيهة وسعيدة وعظيمة ولقد حققت نتائج مذهلة ورائعة.
وهي تجربة إنسانية عامة يمكن ممارستها في كل زمان، ومكان وفقا لشروطها ومستلزماتها وخصوصيتها الخالدة والتي تضاف إلى التجربة الإنسانية الكبرى في صناعة التاريخ وتقدم الأمم، بالصمود والإرادة الثابتة والممارسة والمجابهة الشجاعة الواعية والنزيهة.
وكما يقول بطل الوحدة الإيطالية جوزيف متزيني:«إشحذوا إرادتكم لتصحوا فطالما فعلت ذلك وحالفني النجاح».