Get Adobe Flash player

ثقافة التحليل

الوسيلة الأهم في صناعة الرأي العام

 

هنا، سأتناول التحليل وثقافته العامة الشاملة : السياسية والإجتماعية والإقتصادية والفكرية... إلخ، وكل ما يتصل بثقافة التحليل الذي أصبح مبتذلا ورخيصًا وسطحيًا وخطيرًا إلى حد لا يطاق، فنشاهد «المحللين» على شاشات التلفزة والصحف والمجلات والشبكات الإلكترونية وغالبيتهم ليسوا محللين ولا يمتلكون أدنى ثقافة أو مهارة في التحليل، والمشاهد أو القارئ يشاهد هؤلاء ويصدقهم، وهم الأغلبية، مما يشكل خطرًا على الرأي العام. حيث ساهمت تلك الآراء مساهمة كبيرة في تشكيل وصناعة الرأي العام والقناعات وتحويله إلى ممارسات مادية ملموسة، وهنا مكمن الخطر وهذا ما نلمسه من احداث دموية ومجازر يومية في عدد من البلدان.
مثلا عندما يصرح أحد أدعياء التحليل ضد أحد الشخصيات ويحرض عليها ويلفق حولها الإفتراءات والأكاذيب فان ذلك وبعد قليل ستتعرض تلك الشخصية إلى عملية قتل.
الأســـــباب
هناك أسباب كثيرة لنمو ظاهرة المحللين المزيفين، منها أن بعضهم مأجورون وعملاء ومرتزقة لجهات معينة تسعى لتنفيذ أجندتها وأهدافها بواسطة هؤلاء.
ومنها حب الظهور والوجاهة جعلت البعض يستسهل الظهور على الشاشات، يتحدث عن قضايا خطيرة بأحاديث بعيدة عن الموضوعية والواقعية، ملغومة بأدوات العنف والتحريض والإسقاط وتعبير عن انطباعات وحماقات شخصية واجتهادات خاطئة ونتائجها مدمرة.
والبعض الآخر يعتبر التحليل مجرد مهنة أو وظيفة يتقاضى عنها الأموال والمراكز وهو لا يمتلك من ثقافة التحليل أي شئ إنما يستعمل عقله الخالص والتأمل وليس من خلال المعطيات والوقائع الملموسة وتفاعلها العميق، إضافة إلى العامل الذاتي ونضجه وتكامل أدواته.
والبعض يلجأ إلى المعلومات وليس المعطيات التي يجب أن تكون أساس التحليل وليس المعلومات، لان المعلومات غير مؤكدة وتحتاج الى وقت كاف لإثبات مصداقيتها وصحتها أو إثبات عدم مصداقيتها وصحتها.
التحليل العلمي
في التحليل العلمي ينبغي إعتماد مجرى الأحداث الواقعي، الخبرة الحية وليس المحاكمات المنطقية.
لنقرأ في معجم مبادئ المعارف الاجتماعية السياسية العلمية ففيه المعطى اليقين المؤكد بشكل كامل ونهائي وكما يلي:
1- التحليل والتركيب:
عمليتا التفكيك العملي أو الذهني للكل إلى أجزاء، وتوحيد الكل من الأجزاء، والتحليل هو وسيلة للبحث في المواضيع التي تمكن من فرز الأجزاء من الكل وتناولها بالدراسة المستقلة.
ولما كان الموضوع المعقد لا يقتصر على مجموع الأجزاء، فلابد لتوحيده ذهنيا من تطبيق طريقة أخرى وهي التركيب.
2- المفهـــــــوم:
إحدى وحدات التفكير الأساسية، شكل منطقي يبين بواسطته شكلا التفكير الآخران )الحكم - الاستنتاج( يمكن المفهوم من معرفة الواقع على نحو أعمق من الإحساس والإنطباع والتطور.
3- الفرضية:
الفرضية هي استدلال نظري لم يبرهن عليه بعد، بهذا تختلف الفرضية عن النظرية التي تحمل طابعا صحيحا ومبرهنا عليه علميا.
ان وضع الفرضية وتعليلها والبرهان عليها نقطة ضرورية لتطور المعرفة العلمية.
التحليل الاكاديمي
يستند هذا التحليل الى نظريات ومفاهيم ومقررات دراسية قديمة جامدة ولم تعد قائمة الآن وألغيت من مقدرات الدراسة وليس على اخر ما توصلت إليه البحوث والدراسات في مجال التحليل خصوصا بعد أن تراجع الإهتمام بالخبر المجرد الذي أصبح متاحا وفوريا وبوسائل عديدة.
ولكن بعض الأكادميين وهم قليلون بطبيعة الحال إستطاعوا أن يواكبوا عملية التطور والتقدم البشري والتكنولوجي ويتكيفوا مع ما أنتجته من معارف وأساليب ليس في مجال التحليل إنما في كافة مجالات الحياة ولذلك فإن تحليلاتهم صائبة وصحيحة.
شــــرعــــيتان
على صعيد التطبيق العملي للتحليل، سأتناول قضية الإنتخابات وشرعيتها وما تفضي إليه، وكمثال سأستخدم محللين إثنين على سبيل المثال:
- المحلل الاول: وهو ينتمي إلى المدرسة القديمة المتخلفة البائدة في التحليل فانه يشيد بالإنتخابات كعملية شكليه إجرائية ولا يهتم بما أنتجته تلك العملية، فيركز كامل جهده على مسار العملية الإنتخابية وكيف كانت سليمة ونزيهة وتاريخية )وهي ليست كذلك( لكنها لم تخلوا من بعض الأخطاء والثغرات البسيطة على حد قوله وهو يدافع عن شرعية تلك العملية ونجاحها ويورد الكثير من الأمثلة ويتحدث بإسهاب عن الدعاية الإنتخابية وأجرى مقابلات أي أنه يتحدث عن عملية إنتخابية فقط.
- أما المحلل الثاني: فانه ركز على شرعية الإنجاز مؤكدًا أن لا قيمة لأية إنتخابات ولا لشرعيتها أو نزاهتها دون شرعية الإنجاز . أي ماذا أنجز هذا المجلس عندما فاز بالانتخابات فإذا لم ينجز شيئا كما هو فان ذلك يعنى سقوطه وإنعدام شرعيته الإنتخابية لأنه سقط وفشل على صعيد الإنجاز، ولهذا السبب فلم تعد له شرعية.
هذا المحلل يركز على الإنجاز وليس على عملية الإنتخابات، فالانتخابات وسيلة لكن الجوهر الذي يمنح شرعية لهذا المجلس المنتخب هو الإنجاز، منجزاته التي إستطاع القيام بها. وهذا الإستنتاج الذي توصل إليه المحلل الثاني هو الإستنتاج العلمي المطلوب.
اذن لقد فشل المحلل الاول ونجح المحلل الثاني.
لأن الاول ينتمي الى المدرسة القديمة والتي تعتمد على النتائج وتتجاهل الاسباب تعتمد على الوصف والتوصيف، الى العالم في حالته السكونية ولا تسعى الى التغيير، هي بعيدة عن الحالة المتحركة المطلقة للعالم وتفاعل مكوناتها وصراعاتها في الطبيعة والمجتمع.
التحليل ومرض السرطان
في قضية مرض السرطان يحاول بعض المحللين تجنب الإشارة الى أسبابه التي أوجدته بيننا بهذا الإتساع، إنما يركزون على ضرورة زيادة عدد المستشفيات والعناية بالمرضى.
لكن المحلل العلمي الذي يستخدم إحدى أدوات التحليل العلمية وهي )السبب والنتيجة( فانه يتطرق أولا الى الأسباب التي أدت الى الاصابة بمرض السرطان وهي تلوث الهواء كأحد الاسباب الرئيسية والمتمثل بأدخنة المناطق الصناعية ومن عوادم السيارات التي تطلق كميات هائلة من الغازات السامة والفقر وانعدام العدالة والمساواة وسوء التغذية والمجاعة والجهل وانعدام الخدمات العامة والصحية والوقاية والتدخين وغير ذلك.
د. عبدالعظيم انيس والسرطان
لكن المفكر البارز الدكتور عبد العظيم أنيس يذهب أبعد من ذلك حينما يقول: «أن من المهم أن يدرك الرأي العام أن مكافحة السرطان ليست مشكلة طبية فحسب وإنما هي مشكلة تمس صميم موقف الرأي العام من الشركات الصناعية الكبرى التي ترك لها الحبل على الغارب لإنتاج ما تريد صناعيا دون إعتبار لمقتضيات أمن العاملين فيها أو المستهلكين لإنتاجها، وكل نضال جاد ضد السرطان لابد بالضرورة ان يصيب بعض مصالح هذه الشركات ماليا وتجاريا».
إن هذه النظرية هي النظرة الوحيدة والسليمة للقضية اليوم. أما الجري وراء الأوهام التي تروج لها شركات الأدوية الكبرى حول إكتشاف دواء حاسم في الشفاء من كل أنواع السرطان فليس إلا سرابا.
فالأدوية الكيمياوية لم تثبت فعاليتها إلا في حالات قليلة جدا من السرطان فضلا عن آثارها الجانية السيئة وأسعارها الباهظة.
إن علينا في دول العالم الثالث أن ننتبه إلى خطورة زحف هذا النوع من المرض على شعوبنا مع تزايد إتجاهنا إلى التنمية الصناعية وإستيرادنا لتكنولوجيا الغرب وتزايد تبنينا لأنماط الاستهلاك الغربي واتساع إستيراد منتجات الغرب الإستهلاكية.
وعلى منظمات المجتمع المدني وأي حكومة جادة ان تبدأ كخطوة أولى بتشكيل لجنة وطنية على أعلى المستويات تشترك فيها النقابات والاتحادات والأطباء وعلماء الإجتماع والسياسيون ورجال الصناعة لدراسة الموقف الحالي لمشكلة السرطان ولرسم استراتيجية جادة وعلمية تستهدف محاصرة هذا المرض والقضاء عليه واتخاذ مواقف هجومية شجاعة ضد كافة الأسباب التي أوجدته وعملت على استمراره.