Get Adobe Flash player

اللغة والمجتمع


فيما يلي خلاصات ومقتبسات واستنتاجات لبحوث علمية وفقًا للمنهج المادي الجدلي لعدد من كبار الباحثين نشرتها المجلة الفرنسية ( أبحاث عالمية في ضوء المنهج المادي) وغيرها من المنشورات حول اللغة وعلاقتها بالمجتمع وارتباط ذلك بمواضيع ووقائع تاريخية عديدة.
تقول تلك الأبحاث: اللغة والنواميس اللغوية يجب أن تدرس جميعا في إطار العلاقة الوثيقة القائمة بينها وبين تاريخ المجتمع ذلك أن اللغة، أية لغة، معتبرة اليوم حصيلة اجتماعية ونتاجا للتاريخ الاجتماعي واللغة بعد كل تحليل، لا تنطوي على شئ لا يمكن رده بصورة مباشرة إلى تاريخ المجتمع الذي تعيش فيه.
فاللغة هي إحدى الوقائع الاجتماعية الفاعلة والمؤثرة في سياق الوجود الاجتماعي وديمومته كلها فهي تبقى ببقائه وتزول بزواله وليس ثمة إمكان لوجود أية لغة خارج نطاق المجتمع.
من هنا لا نستطيع فهم اللغة وقوانين تطورها إلا إذا توجهنا لدراستها من حيث صلتها الوثيقة بتاريخ المجتمع أي بتاريخ الشعب الذي تنتسب إليه اللغة موضوع الدراسة والذي أبدعها وتحيا على لسان أبنائه وهذه المقولة هي حجر الزاوية للألسنية المعاصرة.
ومسائل العلاقات التي تقوم بين الظاهرات اللغوية وتاريخ المجتمع هي إحدى المسائل النظيرة الأساسية لمجمل علم اللغة ولعل النقص الجوهري في تطور دراستها راجع إلى كون اللغويين ما يزالون يكتفون بإيراد الفرضية العامة التي تقول بضرورة دراسته تاريخ لغة ما من ضمن إرتباطه بتاريخ الشعب الذي يتداولها.


الإعتبار التاريخي


المعروف ان قضية الإعتبار التاريخي، أي قضية العلاقات المتبادلة بين تاريخ اللغة وتاريخ الشعب الذي يتداولها هي على جانب كبير من التعقد والتداخل اللذين يتجسدان في أكثر من مظهر ويتسمان بسمات متعددة. ولسنا نستطيع أن نبلغ الوضوح والدقة اللازمين لحل هذه القضية التفصيلية أو تلك، من مثل القضايا التي نصطدم بها غالبا في دروس الفيلولوجيا مثلا، وفي تحضير وسائل التعليم وغيرها، إلا إذا لجأنا إلى تجزئة قضية الإعتبار التاريخي وعزل عناصرها المختلفة بغية دراستها مستقلة بعضها عن بعض بطريق النقاش وتبادل التجارب ونتائج الإختبارات بين اللغويين في مختلف فروع تخصصهم.


المعالجة


يمكن الإنطلاق إلى معالجتها من زوايا مختلفة ( أي مسألة الإعتبار التاريخي) أشد الإختلاف والبحث عن حل لها في طرق متشعبة متباعدة أعمق التباعد والغاية تفكيك القضية التي نحن بصددها إلى سلسلة من المسائل الجزئية التي لابد من طرحها في الأقل. من باب كونها إسهاما في النقاش وإن أدى هذا الطرح إلى نفي كل محاولة مجدية لتجسيد القضية بمجملها تجسيدًا حسيًا ملموسًا ومحاولة لحل بعض القضايا الجزئية المستندة إلى مواد مستعارة من لغات مختلفة.
تحديد مدلول الإعتبار التاريخي
لا مناص، قبل كل شئ من تحديد مدلول الإعتبار التاريخي في إطار على اللغة تحديدا واضحًا ودقيقا. والمعروف في دراسة ظاهرة لغوية خاصة، أن مفهوم الإعتبار التاريخي لا يفترض المطابقة بين تاريخ الظاهرة اللغوية وتاريخ المجتمع، وهكذا مثلا عندما تؤكد على أن صيغة المفرد المضاف إليه (genus) للفظة (genos) اليونانية. بمعنى الشعب قد تقلبت في سلسلة من الأشكال خلال تطورها التاريخي من صيغة (genesos ) اولا، الى صيغة ( genehos) ثم إلى صيغة ( geneos) فإلى صيغة (genus) أخيرا فإننا نلاحظ جيدا أن ثمة مسارا تاريخيا، لكننا لا نحاول أن نربط كل ظاهرة في تاريخ اللغة بتاريخ الشعب اليوناني.
وعلى العكس عندما نلاحظ ان كلمة (lumen) بمعنى الضوء أو النور في اللغة الرومانية قد أتخذت في تاريخ تلك اللغة معنى (الكون، أو العالم) فإننا لا نقرر فقط تاريخية هذه الظاهرة اللغوية بل اننا نذهب الى ربطها ربطا محسوسا بتاريخ الشعب الروماني الذي مارست الشعوب السلافية تأثيرها عليه وعلى لغته.


اللغة الصوتية اللغة الوحيدة:


إن اللغة الصوتية أو لغة الكلام، كانت على الدوام هي اللغة الوحيدة للمجتمع البشري، القابلة لأن تكون وسيلة مهيأة كليا للتواصل بين الناس، ولم يعرف التاريخ أي مجتمع بشري مهما يكن هذا المجتمع متخلفًا لم تكن لغته الصوتية الكلامية. ولم يذكر علم السلالات شعبا صغيرا متخلفا، وان يكن شعبا بدائيا أو اكثر بدائية كالاستراليين أو كسكان أرض النار في القرن الماضي مثلا، لم تكن له لغته الصوتية الكلامية. هذا فضلا عن أن وجود مجتمعات بشرية عرفت الكتابة ولم تعرف لغة النطق الصوتية هو أمر مستحيل أصلا، لم يذكر التاريخ ولا علم السلالات شيئا منه. بل إن التاريخ وعلم السلالات قد ذكر على العكس. شعوبًا عديدة ، كانت لها لغة صوتية كلامية من غير أن يكون عندها أى أثر للكتابة.
ان النظرية القائلة بظهور الكتابة قبل ولادة اللغة الصوتية، لغة النطق والكلام تتناقض أيضا مع المبادئ المادية العلمية الجدلية، وذلك إن إستعمال الكتابة يفترض وجود فكر متطور وبدون اللغة يستحيل أن يوجد ثمة أي فكر.


ظهور الكتابة


الكتابة وسيلة رديفة ومتممة للتواصل بين الناس. تستعمل لنقل اللغة والإحتفاظ بها عبر المكان والزمان ومن هنا فاللغة هي شرط واجب وضروري لوجود المجتمع. في حين أن الكتابة  ليست تجسد هذا الشرط، أو انها بالأحرى تصبح شرطا في مرحلة معينة لتطور المجتمعات وذلك عندما يتعاظم حجم المجتمع وتتسع رقعته في المكان ويتمركز ثباته في الزمان وحينما كانت البشرية مؤلفة من جماعات عائلية وقبلية صغيرة كانت اللغة تستجيب كليا لحاجاتها من التواصل والتخاطب. أما حين دفع تطور قوى الإنتاج وتعقد العلاقات الإنتاجية إلى تكوين جماعات قبلية وعشائرية أكثر تماسكا وثباتا فان الضرورة قد دفعت بالحاجة إلى أداة إتصال رديفة، مساعدة ومتممة للغة ألا وهي الكتابة.
هذا ما تؤكده مضامين الوثائق التي وصلت إلينا عن الكتابات البدائية وهي جميعا أو تكاد تسجل أحداثا وأعمال قادة وعادات وصلوات إلخ... وتستخدم هكذا لحفظ اللغة على مجرى الزمن أو تتضمن وقائع صيد وقنص وعلاقات حول إشتباكات مع الأعداء ورسائل غزل وحب وغير ذلك مما يستدعي تثبيت اللغة ونقلها عبر الزمان والمكان. من المحتمل أنه يجب رد الكتابة البدائية إلى المراحل الأولى لتكون البنية القبلية للمجتمع وهو أمر يؤكده كون الكتابة في شكلها التصويري البدائي على الأقل كانت موجودة لدى معظم الشعوب التي عرفها التاريخ وعلم السلالات بما في ذلك الشعوب التي ظل تطورها عند حد المستويات البدائية للتنظيم القبلي (شعوب الشمال الكبير والاستراليون في القرن التاسع عشر). والمرجح أن الرسوم البدائية هي التي أوجدت تلك الكتابة البدائية التصويرية ومن الممكن جدا أن تكون تلك الرسوم العديدة فوق الصخور وفوق الحجران أو على جدران الكهوف والمغاور والتي وصلت إلينا من العصر الحجري المتأخر، قد استخدمت لغرض التواصل الكتابي بين الناس ولعل الصياد البدائي بعد رجوعه من القنص أراد أن ينقل حكايته إلى أبناء قبيلته وعشيرته ففعل ذلك بواسطة الرسوم.
وقد تكون تلك الرسوم قد استخدمت أيضا لتخليد الحدث وتأبيده في ذاكرة المتحدث وذاكرة سامعيه وسواء في هذه الحالة أم تلك فإننا أمام الولادة الجنينية للكتابة. أي أمام أداة للإتصال رديفة للغة الكلام ومتممة لها.
خصائص ومحتوى ودلالة الكتابة التصويرية
إن معظم الكتابات التصويرية التي جاءتنا عن هنود أميركا وزنوج أفريقيا وشعوب الشمال وغيرهم لم تكن مستعملة لأغراض سحرية- دينية بل كانت مستخدمة لغايات عملية وهي في الأعم الأغلب إشارات إلى ملكية خاصة أو قبلية لأمتعة منزلية ولحجران حدودية ولحيوانات داجنة وسواها وإشارات عديدة تبدو عادة في شكل مزيج من عيدان وصلبان وكتابات على حجارة الأضرحة تعتمد الرسوم لتسجيل أهم الأحداث في حياة المتوفي وتعبيرات تتعلق بالصيد والقنص وذكر لوقائع حربية وغزوات وحملات عسكرية وتسجيل رسائل غزل وحب ومستندات ووثائق تتضمن شروط المقايضة.


خلاصة منهجية هامة


من كل ما سبق قوله، نستطيع على الصعيد المنهجي إستخلاص النتائج التالية:
ان التعرض لدراسة نظرية الكتابة وتاريخها يجب أن يكون على الدوام في إطار العلاقة التي تربط الكتابة بتاريخ المجتمع، من حيث أن الكتابة هي أداة إتصال بين الناس، وفي إطار العلاقة التي تربط الكتابة بتاريخ اللغة، من حيث أن الكتابة هي وسيلة إتصال رديفة ومكملة للغة، وهي تعكس اللغة عكسا مباشرا، فبهذه الطريقة فقط قد يكون ممكنا إكتشاف القوانين الحقيقية والأكثر أهمية لنمو الكتابة وتطورها سواء لدى الشعب في وجودها المستقل الخاص أم على صعيد المجتمع عموما.
على ان هذا لا ينفي بالطبع إمكان، بل وجوب، دراسة الكتابة من زاوية الفنون التي تعتمد على الخطوط والإشكال الكتابية. ومن زاوية علم قراءة النصوص القديمة أو الباليوغرافيا. ومن طرق عديدة خاصة غيرها. فهذه الطرق هي جد مشروعة بمقدار ما ان الكتابة بغض النظر عن وظيفتها الأساسية الكامنة في نقل اللغة تبدو كتقنية خاصة مرتبطة بالوسائل والأدوات المستخدمة وكظاهرة اسلوبية مرتبطة بمتغيرات الاسلوب في الفنون التشكيلية. غير أن كل طريقة دراسية من هذه الطرق لا تعدو كونها مكملة للطريقة الأساسية في دراسة الكتابة نعنى بها الطريقة اللغوية وذلك لان الكتابة ليست سوى وسيلة لنقل اللغة ولان القوانين الأكثر أهمية في عملية الكتابة هى قوانين ذات طبيعة لغوية وليست خطوطية تدوينية.
لقد ظلت دراسة تاريخ الكتابة حتى الزمن المتأخر منفصلة عموما عن تاريخ المجتمع وتاريخ اللغة وظل الانتباه مركزا على المظهر الخارجي الخطي للكتابة. الأمر الذي جعل تاريخ الكتابة يقتصر على تاريخ إقتباس الأشكال التدوينية فقط، أو على رصد التغييرات التي طرأت على اسلوب الخط عند هذا الشعب أو ذاك. وفي يقيننا أن القوانين الحقيقية، والجوهرية لنمو الكتابة وتطورها، لا يمكن اكتشافها إلا بدراسة تاريخ الكتابة من خلال علاقته الوثيقة بتاريخ المجتمع من جهة وبتاريخ اللغة من جهة ثانية.