Get Adobe Flash player

الكاتب الروسي الكبير استعراض لعظمة أنطون تشيخوف

 

«لقد أردت فقط أن اقول للناس بصدق وصراحة: أنظروا إلى أنفسكم. أنظروا كيف تحيون حياة سيئة مملة. فأهم شئ أن يفهم الناس ذلك، وعندما يفهمون سيشيدون حتما حياة أخرى أفضل. وستكون حياة مختلفة تماما لا تشبه هذه الحياة».
هكذا قال الكاتب الروسي العظيم أنطون تشيخون (1860- 1904) أن إسم تشيخون يقف عن جدارة إلى جانب إسمي «ليف تولستوي» و«فيدور دوستويفسكي»، وكان تشيخون يمقت طغيان وظلم وكذب وغرور الأقوياء ومهانة الضعفاء ويحارب بلا هوادة ضد الإبتذال بكل صوره ويقدر فوق كل شئ العدل والحقيقة والكرامة الإنسانية والجمال الروحي.
ورغم أن قرناً من الزمان يفصلنا عن الكاتب فإن أعماله تبدو اليوم وكأنما كتبها أديب معاصر. ذلك أن موهبة الفنان الحقيقي وقلبه الطيب الشريف يتخطيان حدود الزمان.
وفي عام 1981م أصدرت دار التقدم في موسكو أعمال الكاتب المختارة في أربعة مجلدات وهي أول مجموعة مختارة لأعمال الكاتب تصدر باللغة العربية، ويضم المجلد الأول القصص القصيرة التي كتبها تشيخوف في الفترة من 1880 إلى 1887 ويضم المجلد الثاني الروايات والقصص القصيرة التي كتبت من 1887 إلى 1891، أما المجلد الثالث فيضم الروايات والقصص القصيرة التي كتبت في الفترة من 1892 إلى 1903 كما خصص المجلد الرابع لأعمال تشيخوف الدرامية ويحتوي المجلد على صور فوتوغرافية ورسوم لكبار الفنانين الروس والسوفييت.

جوركي يكتب عن تشيخوف
كتب الكاتب الكبير مكسيم جوركي ما يلي: (كان نقيا في تواضعه ولم يكن يسمح بنفسه بأن يقول للناس بصوت عال وبصورة سافرة: (فلتكونوا.. أكثر استقامة) بل كان يأمل عبثا بأن يفطنوا بأنفسهم إلى الحاجة الماسة لهم بان يكونوا أكثر إستقامة وكان وهو يمقت كل ما هو مبتذل وقذر، يصف كل حقارات الحياة بلغة نبيلة لشاعر وبضحكة ناعمة لفكاهي، ومن وراء المظهر الخارجي الرائع لقصصه القصيرة لا يكاد يبدو مغزاها الداخلي المشبع باللوم المرير. ويضحك الجمهور المحترم وهو يقرأ قصة تشيخوف القصيرة (ابن البيون) وهو إسم قديم أطلق على إنجلترا، وربما لا يرى في هذه القصة إمتهانا حقيرا من إقطاعي شبعان لإنسان وحيد غريب عن كل من حوله وما حوله.
وفي كل قصة قصيرة من قصصه الفكاهية أسمع آهة خافته عميقة من قلب نقي، إنسان حقا، آهة إشفاق يائسة على الناس الذين لا يعرفون كيف يحترمون كرامتهم الإنسانية ويعيشون كالعبيد مستسلمين دون مقاومة للقوة الغاشمة ولا يؤمنون بأي شئ اللهم إلا بضرورة أن يتناولوا كل يوم مساء أكثر دسامة، ولا يحسون بشيء اللهم إلا الخوف من أن يضربهم شخص ما قوي ووقح.
لم يدرك أحد بمثل هذا الوضوح والرهافة مثلما أدرك تشيخوف مأساوية توافه الحياة ولم يستطع أحد قبله أن يرسم للناس بهذا الصدق الذي لا يرحم صورة مشينة وكئيبة لحياتهم في الفوضى الكابية للواقع اليومي العادي الضيق الأفق.
كان الابتذال عدوه وقد ناضل ضده طوال حياته وهو الذي سخر منه وصوره بقلمه الرصين الحاد. عندما تقرأ قصص تشيخوف تحس وكأنك في يوم حزين من أيام اواخر الخريف عندما يكون الهواء شفافا للغاية وتبرز بحده معالم الأشجار العارية والبيوت الضيقة والناس الرماديين. كل شئ غريب وحيد. جامد. عاجز. أما الآفاق الزرقاء بردا مقبضا على الارض المغطاة بالوحل المتجمد، وعقل الكاتب كشمس الخريف يضيء بوضوح قاس، الطرق المكسرة والشوارع المتعرجة والمنازل الضيقة القذرة التي يختنق فيها من الضجر والكسل أناس صغار تافهون يملأون بيوتهم بالهرولة الفارغة الناعسة. هاهي (حبوبة) تلك المرأة الوديعة القادرة على الحب بهذه الدرجة من العبودية وبهذه الوفرة، ها هي تتراكض بذعر كفأر رمادي وبوسعك أن تصفعها على خدها ولكنها لن تجرؤ حتى على الأنين بصوت عال. هذه العبده المسكينة.
كان (الصراع من أجل البقاء) قد تحول لديه منذ الصبا إلى صورة بائسة باهتة من صور الهموم اليومية الصغيرة بحثا عن لقمة الخبز لا لنفسه فقط. بل عن لقمة خبز كبيرة وقد بذل كل قوى صباه لهذه الهموم المجردة من الفرحة وانه لشئ يدعو الى الدهشة اذ كيف استطاع ان يحتفظ بروح الفكاهة؟ وبالنسبة له كانت المآسي العظيمة تختبئ تحت طبقة سميكة من الواقع العادي.
اهمية العمل
لم أر شخصًا أدرك أهمية العمل كأساس للثقافة بهذا العمق والشمول مثلما أدرك تشيخوف وقد تجلى ذلك لديه في جميع التفاصيل الصغيرة للحياة المنزلية: في اختيار الأشياء وفي ذلك الحب النبيل للأشياء الذي يستبعد تماما السعي إلى تكديسها ولا يمل في الوقت نفسه من الإعجاب بها كثمرة لإبداع الروح البشرية. كان يحب البناء وزراعة البساتين وتزيين الأرض ويحس بشاعرية العمل وبأي حدب مؤثر كان يراقب نمو الاشجار للفواكه وخمائل الزينة التي غرسها بنفسه في حديقته وكان يقول وهو مشغول ببناء بيته في اووتكا: لو أن كل إنسان صنع في قطعة أرضه كل ما يستطيع لأصبحت أرضنا رائعة.
كانت عيناه تبدوان جميلتين عندما يضحك. تصبحان رقيقتين بأنوثة وناعمتين بلطف وكان يضحك بلا صوت تقريبا. جميلا بصفة خاصة وعندما كان يضحك كان يستمتع بالضحك وينتشي ولا أعرف أحدا آخر يستطيع أن يضحك هكذا... ضحكا (روحيا)...
تولستوي يتحدث
ذات مرة كنت حاضرا، أبدى تولستوي إعجابه بقصة تشيخوف (الحبوبة) على ما أعتقد وقال:
إنها مثل الدانتلا التي نسجتها فتاة عفيفة. كان هناك في الماضي أمثال هؤلاء الفتيات ناسجات الدانتلا، (العوانس) كن يضعن في الزخرف كل حياتهن. وكل أحلامهن بالسعادة. وبالزخارف كن يحلمن بالحبيب الغالي وينقلن إلى رسوم الدانتلا كل حبهن الطاهر الذي بهم.
كان تولستوي يتحدث بتأثر عميق والدموع تترقرق في عينيه وكانت حرارة تشيخوف في هذا اليوم مرتفعة وجلس متوقد الخدين وقد أحنى رأسه وراح ينظف عويناته بإهتمام وصمت طويلا وأخيرا تنهد وقال خجلا بصوت خافت: هناك أخطاء مطبعية يمكن كتابة الكثير عن تشيخوف ولكن لابد من الكتابة بتركيز شديد ودقة، الامر الذي لا أجيده. وما اطيب لو كتب عنه كما كتب هو قصة (السهوب) تلك القصة الخفيفة ذات العبير، والساهمة الحزينة على الطريقة الروسية، إنها قصة ليست للآخرين بل للنفس.
وما أطيب أن نتذكر إنسانا كهذا...
فعلى الفور يعود النشاط إلى حياتك ومن جديد يدخل إليها معنى واضح.
قصة فانكا كتبها عام 1886م
فيما يلي مختصر لقصة فانكا لتشيخوف، ذلك الصبي ذو التسعة أعوام والذي يعمل لدى الإسكافي الياخين يكتب الرسالة التالية عن معاناته الرهيبة.
بالأمس ضربوني علقه. شدني المعلم من شعري إلى الحوش وضربني بقالب الأحذية لأني كنت أهز إبنه في المهد فنعست غصبا عني. ليس هناك أي طعام. في الصباح يعطونني خبزا وفي الغداء عصيدة وفي المساء أيضا خبزا أما الشاي أو الحساء فالسادة وحدهم يشربونه وأنام في المدخل.
يا جدي العزيز أعمل معروفا لله وخذني من هنا إلى البيت في القرية. لم أعد أحتمل أبدا. أتوسل إليك خذني وإلا سأموت  سأطحن لك التبغ وإذا بدر مني شئ اضربني كما يضرب الكلب، ضعني عند الخولي ولو لتنظيف حذائه أو اعمل راعيا بدلا من فيدكا. أردت أهرب ماشيا ولكن ليس لدي حذاء وأخشى الصقيع. احضر يا جدي العزيز أن تأخذني من هنا. اشفق علي أنا اليتيم المسكين لان الجميع يضربوني وأنا جوعان جدا وابكي طوال الوقت ومن مدة ضربني المعلم بالنعل على رأسي ولم أفق إلا بالعافية. وطوى فانكا الورقة المكتوبة أربع مرات ووضعها في مظروف وكتب العنوان:
إلى قرية جدي وحك رأسه وفكر  ثم أضاف (قسطنطين مكاديتش وأرتدى غطاء الرأس وهو سعيد لأن أحدا لم يعطله عن الكتابة بل انطلق إلى الخارج بالقميص فقط.
كان الباعة في دكان الجزار الذي سألهم من قبل قد أخبروه أن الرسائل تلقى في صناديق البريد ومن الصناديق تنقل إلى جميع أنحاء الأرض على عربات بريد بحوذية سكارى وأجراس رنانة. وركض فانكا إلى أول صندوق بريد صادفه، ودس الرسالة الغالية في فتحة الصندوق..
وبعد ساعة كان يغط في نوم عميق وقد هدهدت الآمال الحلوة روحه.. وحلم بالفرن. كان جده جالسا على الفرن مدليا ساقية العريانتين وهو يقرأ الرسالة للطاهيات.