Get Adobe Flash player

الكاتب الجديد وتغيير العالم

 

على مر الأزمان والدهور والمنعطفات والمعارك العظمى والإكتشافات والمخترعات في طول التاريخ الإنساني وعرضه يظل حلم الكتاب والأدباء بتغيير العالم نحو الأفضل من أكثر الأحلام شراسة وقوة وحضورا وخلودا.
ومنذ أواخر القرن الثامن عشر إنتقلت الفلسفة من وصف العالم في حالته السكونية المجردة القائمة حسب منظورها وكما هو إلى السعي لتغييره، ولقد استطاعت البشرية بفضل هذا الانتقال أن تعي مجاهله وأسراره وتبين بأنه زمان معلوم يمكث وينمو ويمثل في الضمير الوجدان نابضا متحركا متوهجا متجردا مبحرا في الوجود.
وأمام ازدياد الوعي في أعقاب الثورة الصناعية وعصر النهضة وفي ضوء النتائج المريرة والحصاد البشري الهائل عبر حروب وأوبئة وكوارث واستغلال وعصبية جاهلية، برزت الملامح الكاملة لحاضر الانسانية وماضيها ومستقبلها ولقد رافقت كل ذلك مدارس عبثية ولا منتمية ووجودية وكتابات غارقة بالرمز والمرموز وما إلى ذلك من صراعات بينها وبين المدارس الجديدة الواقعية في الأدب والفن والإجتماع والفلك والعلوم الأخرى وباتت الصورة واضحة والغموض الذي يصطنعه أولئك الكتاب الآن كما في الستينات انتهى، وذهبت كتاباتهم لتستقر في بطون الكتب المهملة وأرفف الأرشيف والذكريات العميقة.
نحن الآن في مرحلة كل شئ فيها واضح وموجود ومتاح لأي كائن وبخاصة لدى من يمتلك البصيرة الثاقبة والوعي التاريخي الناضج، ولم تعد تلك الكتابات تصلح لزمان يغطي مرحلة تاريخية جديدة دشنتها البشرية ووضعت في أيدي الكتاب عناصر التقدم والتفاؤل وعناصر التخلف والتشاؤم والانعزال والبلبلة والضبابية وضيق الأفق والصبيانية والجهل بمضامين ومعطيات مرحلة تتطلب السير حثيثا نحو تحقيق الأهداف التي لا تزال البشرية تصبو لتحقيقها وترسيخها وتحذيرها.
والكتابة الحقَّة هي الكتابة الواضحة النزيهة التي تنضح بالأمل والإشراق والتربية والتعليم والمحصنة ضد الاحتواء والاختراق والانحراف والتبعثر وضد الترغيب والترهيب.
والكاتب هو المنبر العتيد العنيد العاشق والمعشوق الذي يحسم صوت القراء والأوطان والمرآة التي تنعكس عليها خفايا حياتهم وجوهر اوضاعهم والحلول والبدائل الواجبة.
ان العبث والدادائية والرومانسية والوجودية وغيرها، مدارس متشائمة جبانة مندحرة تشيع أجواء الاحباط والتواكل والعدمية واليأس والتعتيم والتضليل والإتكالية والهزيمة والاستسلام والقناعة المشؤومة.
المرحلة الراهنة ذات سمات وخصائص تستوجب التقدم إلى الامام لا العودة الى الوراء، فالتسكع والهلوسة والذاتية والسفسطة الكلامية والإنشاء المنمق والمزوق والمطلسم هي من مخلفات العصور القديمة، عصور الظلام والانحطاط والتقهقر والعبودية.
ان الواقع الجديد الراهن لا يعالج بأساليب عفى عليها الزمن فالواقع طريا ناضجا محتشدا بالوقائع والمواقع والمعطيات، باهرا مبهورا متدفقا بالدهشة، مفعما بالحرارة والحماسة والانفعال والآثار والمضاعفات الجسام.
حلم الحرية والسعادة والسلام من الاحلام الازلية التي تطرق العقول والأفكار، حلما ممتزجا رافلا محققا لأرفع الصفات والأهداف والمبادئ الانسانية وفضائل النفس البشرية.


بين الكاتب القديم والكاتب الجديد


فالذي يميز بين كاتب الفلسفة القديمة والكاتب الجديد هو الطوعية والاختيار الواعي المسؤول الذي يطرز عمل الكاتب الجديد وإبداعه. أما الكاتب القديم فهو يبحث عن الأجر والوظيفة والأنا فيصبح الفرق بينهما كالفرق بين الصدق والرياء، بين الاستقامة والنزاهة من جهة والنفاق والانتهازية والارتزاق من جهة اخرى، فالغاية هي الحال والامتيازات أما أهداف الكتابة فهي تنسق وتطوع وتطبع وفقا لأهواء وشروط وأهداف دافع الأجر.
ولذلك فالكاتب بوق يزداد صخبا وضجيجا وانزعاجا وردحا وضررا كلما دفع مستأجره المال الوفير.
اما الكاتب الجديد فيعتبر الكتابة خدمة عامة ومسألة انسانية تسمو على المال والجاه والامتياز ولذلك فانه يتميز بالجرأة والإقدام ونكران الذات والثقة الذاتية المضافة التي يمنحها القراء والمعنيون والاستعداد واليقظة والمثابرة والحصانة  والوعي المبكر.
اما الكاتب القديم فان شروط الكتابة وشؤونها وأهدافها تتوارى وتنكمش وتتراجع ليصبح المال والشهرة هما مسببا اداء الكاتب.
ولما كانت النتائج مرتبطة بالأسباب وهي وليدتها، لذلك فإن إنتاجاته ما هي إلا عبارات مظللة ومزوقة ومفخمة ومقاسة على توجيهات دافع المال ايا كان.
الكاتب الجديد يمتلك شهرة اكثر من القديم لأنه يعبر عن حقائق ومعطيات ووقائع بالأرقام والوثائق الملموسة، أما الكاتب القديم فانه يلجأ الى تشويه تلك الحقائق وإغفالها ومحاولة  يائسة بائسة لتفنيدها وإنكارها لكنه يفشل. الكاتب القديم يتميز بالتناقض والتنافر والاحتراب وهو مثار سخط وسخرية العامة من الناس.
لقد فشل الكاتب القديم حتى في ان يكون أداة ناجحة في كنف المستأجر، ما دفع الكثير من الناشرين وسواهم الى محاولة اختيار الكاتب الجديد لترويج صحيفته او نشرته ولرش الرماد في العيون، واتبع هؤلاء اساليب متعددة تبدأ بالترغيب والترهيب ولا تنتهي بالتحييد، فإذا تحول هذا الجديد الى منهج ونهج القديم اصبح بالقديم تماما. ولذلك فإننا نرى دراسات ومقالات جادة ومثيرة للجدل وهي بالضد تماما من نهج صحيفة ما، وقد تسبب مشكلة للناشر، لكنه يغامر من اجل ترويج بضاعته بالكتابات الجادة والتي ستجد وبالضرورة اقبالا كبيرا وقراء كثيرون اذ يعتبرها الناشر كالإعلان لتحقيق الربحية المالية العالية. على اننا لا نندهش حينما نرى كاتبا ومقالا ينتميان الى المدارس الجديدة على صفحات مجلة او صحيفة ذات نهج قديم بائد، لكن المال أغلى  وأنفس من كل شئ، بل هو هدفه الاول والأخير.
وحتى في مجالات العمل الأخرى فإننا نرى المبدعين هم من اقبلوا على العمل برغبة صادقة ورؤيا سليمة واضحة وقناعة راسخة بجدوى العمل ومنفعته الشاملة.
الكاتب القديم لا يلبث ان يعتزل الكتابة اذا عرض عليه منصب او مركز يحقق له طموحاته الضيقة، أما الكاتب الجديد فانه يعتبر الكتابة مبرر وجوده وفعاليته الانسانية، وهو بفعل عامل الطوعية والاختيار يتمتع بحساسية مفرطة إزاء كافة القضايا والمصائد والأحداث، بعكس الكاتب القديم الذي يتمتع بحساسية لكنها متحجرة متبلدة ومبلدة بهاجس العظمة الفارغة والثراء واللامبالاة والقسوة والكآبة والانعزال والسطحية ولا تحركها اكثر الاحداث والممارسات بشاعة وهمجية او انسانية وعدالة.


الخــــــتام


هذا الحديث مستمر ولن ينتهي ولدية القدرة على التواصل لامتلاكه بحار وانهار وشموس وأقمار وتطاريس وأنواء على سطح هذا الكوكب العجيب، وهذه الحياة وظاهراتها في الطبيعة والمجتمع، وسيبقى الصراع قائما بين القديم والجديد في كافة الميادين وفي كل يوم يحقق الجديد منجزات عديدة على صعيد الانتصارات المتواصلة على القديم الذي سينتهي حتما ويختفي تماما كضرورة وحتمية تاريخية وإنسانية لابد منها.