Get Adobe Flash player

الصحافة المطبوعة وتحديات التكنولوجيا الرقمية

 

  لم يكن يعلم « يوهان غوتنمبرغ » الألماني المَوْلد أنه عندما اخترع المطبعة في منتصف القرن الخامس عشر ليطبع الكتاب المقدس الذي لم يمهره حتى باسمه أو توقيعه، بأنه قدّم للبشرية إنجازًا علميًا، وثورة فكرية، ونهضة ثقافية غزت مطبوعاتها الورقية من منشورات وصحف لتساعد حركاتها التحرّرية كل الشعوب الأوروبية، ولتنطلق بدورها جسرًا للمعرفة ينير عقول البشر بكل فئاته وطبقاته، لتبدأ الصحف بنشر أخبار كل الفئات المظلومة والمقهورة، وكل أفكار الأدباء والفلاسفة والعلماء والفنانين، وكل أخطاء الحكام وسيرتهم الظالمة والعادلة!
هذه الصحف التقليدية المطبوعة رغم قلة وريقاتها في ذلك العصر وكمّ معلوماتها، أحدثت ثورة اقتصادية إلى جانب الفكرية محدثة انقلابًا على الأنظمة الظالمة، مطالبة بحق الإنسان  بطلبه للعلم والمعرفة وحقيقة مصيره وأمنه واستقراره ومستقبله، لتساهم هذه الصحف بوريقاتها السمراء والصفراء والحمراء على مدى قرون، في حركات التحرّر ضد الاستعمار في العالم بأجمعه إلى كل قاراته  وصولا لدولنا العربية!

السلطة الرابعة أو الصحافة
بعد أن أصبحت الصحافة السلطة الرابعة في كل نظام وحكم مهما اختلفت تسميته! إلا أنها صوت الشعب والحسيب والرقيب للسلطة الحاكمة مهما عانت من تضييق على حرّيتها الفكرية، ومهما سوّدت صفحاتها بالحبر الأسود إلا أنها تظل شعلة الضمير الحي لأقلام حرّة ترفض تحكم النظام في مصير شعوبها، وترفض الانصياع للظلم مهما تلّون مفهوم الديمقراطية فيها وارتدى عباءة الحاكم!.
ورغم الثورة التكنولوجية والمعلوماتية وما تصدره كل الصحف الإلكترونية والذي أصبح وسيلة الاتصال الوحيدة بالعالم لفئات كثيرة من البشر، إلا أننا نتساءل: هل استطاعت تلك التقنية الرقمية، بصحفها ومجلاتها ومدوّناتها الإعلامية الإلكترونية أن تغنينا عن الصحف بصفتها التقليدية المطبوعة الورقية؟
 تعالوا نبحث هذا الأمر سويًا، ونتعرّف أولا على كيفية تعامل الأنظمة العربية مع ثورة المعلوماتية والاتصالات وعالم الصحافة الإلكترونية والورقية المطبوعة!
 إن ثورة الاتصالات في عالم المعلوماتية تحدّت كل الأنظمة العربية، وكشفت هشاشتها التقنية وتأخرها عن مواكبة التطوّر المستمر! ليس باستيراد أجهزتها التقنية ومشغليها، بل في استطاعتها استحداث مثل تلك الأجهزة ومعرفة تكنولوجياتها ومنافسة الدول العظمى بتأهيل مثقفيها والقيمين عليها وبابتكار ما هو حديث في مجالها وما يقدّمونه من دراسات وأبحاث تضيء طريق تطوّرهم المعرفي، بل كان العكس هو الصحيح! إذ حاولت تلك الأنظمة سدّ أي انفتاح للباحث العلمي أو الأدبي أو الاقتصادي والسياسي بإقفالها تلك المواقع الغربية في بعض الدول العربية.
وانطلقت الثقافة الرقمية متأخرة في دولنا العربية في أواخر القرن العشرين بعد أن أصبحت جزءًا لا يتجزأ من العولمة التي سرّعت التواصل المعرفي والاقتصادي والسياسي والاجتماعي بين الدول، إضافة إلى حركة الطباعة التي لم تصلنا إلا بعد أربعة قرون من اختراعها، أي في أواخر القرن التاسع عشر! ووسط الكمّ الهائل من المواقع الإلكترونية الشاملة لكل أنواع الاستخدامات ورغم تناقضاتها الكثيرة، من مواقع ثقافية وعلمية تفوق بإبداعاتها وحداثاتها الكثير من مثيلاتها في المواقع الغربية، استخدمت تلك المواقع في الدول العربية بنسبة 13% فقط، والمفاجئ هو أن استخدام مواقع المحادثة والمواقع (الخلاعية والإباحية) والدينية في نفس المستوى من قِبل مستخدمي الإنترنت في دولنا العربية بنسبة 75% على عكس الغرب الذي طغت على مواقعه الثقافية والعلمية والتعليمية نسبة المستخدمين بما يعادل 73%!!.
ولا شك أن سوء استخدام الديمقراطية، إن تعرّض الكاتب العربي بمختلف اختصاصاته السياسية والعلمية والأدبية والدينية، للمراقبة من قِبل السلطة وتقييد أفكاره وحرّيته حتى إبعاده ونفيه عن وطنه بالقوة أو عبر الهجرة الاختيارية أو حتى السجن السياسي في بعض الأنظمة العربية ويحصل هذا في الصحف المطبوعة أكثر من الصحف الرقمية، لا شك أن ذلك قد جعل هؤلاء الكتّاب يتخبّطون في استخدامهم للديمقراطية بشكل خاطئ، ممّا جعل الكاتب هو الصحفي والناشر وهو المخرج التلفزيوني، ويكتب بحرّية مطلقة غير عابئ بالقيم الأخلاقية الأدبية التي لا تسمح له بالفتنة الكيدية عبر المقالات غير التحليلية، والتي يغذيها أفراد من جهة معينة سياسية حزبية أو أصولية دينية!
إن جانب عدم الموضوعية في بعض الصحف الإلكترونية التابعة لمحطات فضائية عربية تحكمها جهات حكومية معينة، لتساعد على نشر الأخبار الكاذبة لتخدم مصالح وجهات غربية وفضح كل ما هو مستور في مجتمعاتنا وتشويه الحقائق، مضللة بذلك شعبها قبل تضليل الآخرين! مما يجعلنا لقمة سائغة لمؤامرات مَن يترصّدنا من الإعلام الغربي، لأنهم يركزون على أعمالنا الأدبية والإعلامية والثقافية أكثر ممّا نركزه نحن على تلك المواقع لديهم، ممّا أحدث فجوة في مجتمعاتنا، وطالت نسبة كبيرة من أجيالنا! جعلتهم ينصرفون عن مواقعنا تلك إلى مواقع المحادثة والموسيقى الحديثة، وألعاب التسلية، والمواقع الخلاعية والإباحية، وأخطرها بالمقابل المواقع الدينية التي تبث الكراهية للأديان المغايرة لها، ممّا يزيد الفتنة الطائفية في الدول العربية، والحث على الجهاد والقتل على كل مَن لا يتفق مع رأيها بدل العمل على تنظيم المجتمع ضمن أخلاقيات الدين!
دور السلطة الحاكمة في دعم المواقع وعرقلتها وحجبها
 تدعم دول عدة غربية وعربية المواقع الموالية لها وتحميها من أن تتعرّض للمراقبة من قِبل الموقع الدولي أو العربي الذي تبث منه! بل على العكس هذا ما توفره الدولة من مواقع مضادة ومخرّبة للمواقع الموضوعية من مدوّنات وصحف ومجلات ومراكز أبحاث وموسوعات، بمختلف تخصّصاتها وتنوّعها الفكري والتي تؤثر على مصالح السلطة الحاكمة الداخلية والخارجية، فتضغط عليها بحجب مواقعها للانصراف عن كل ما تكتبه من أخبار صادقة ودراسات علمية تحرّر المجتمعات العربية من الانجرار نحو ثقافة القتل وإلغاء الآخر، والدعوة إلى رفض الانغماس بظاهرة الرفاهية الغربية المبتذلة، وولوج شبابنا بالعلوم الحديثة والتكنولوجية والأبحاث العلمية التي تغذي عقولهم وتفتح آفاق كل العلوم أمامهم!  بل تعمل مواقع السلطة على تحريضهم على بعضهم البعض وتدفعهم إلى حرب إعلامية علنية لا يستفيد منها سوى الرقيب الغربي بتكثيف تقييمه عن سياستنا العقيمة!
إذاً فنحن نسيء للديمقراطية إذ نستخدمها شكلا بإفراغ مضموننا الفكري وتخلفنا الاجتماعي بشكل خاطئ محدثين فجوة هائلة بيننا وبين أجيالنا المستقبلية! وهكذا نعمل على تهجير العقول الفذة الشابة إلى دول الغرب لينالوا المعرفة بحرّية عبر المعلوماتية دون إغلاق لمواقعهم الإلكترونية أو مراقبة رسائلهم الإلكترونية أو حجبها عنهم أو حجب مواقع ثقافية مهمة عنهم ليبقوا في ركاب الجهل والتخلف المستشري في عالمنا العربي، وهكذا تصطادهم تلك الدول لاستغلال عقولهم لمنفعة مؤسساتها العلمية!
البنية التحتيّة للإعلام العربي
المطبوع والرقمي
البنية التحتية أو بالأحرى القاعدة العلمية لدى مؤسساتنا الإعلامية الرسمية مغلقة على ذاتها وتدور في ذات الإطار الحزبي الحاكم، أو الإرادة الدينية للسلطة، أو ما تبثه وتوجّهه السلطة الحاكمة بتقييدها لكل ما هو منفتح على الغرب من فكر إيديولوجي يزعزع سلطتها، وأما المؤسسات الإعلامية الخاصة فهي أيضًا خاضعة للسلطة من بعيد إلى بعيد مع إفساح قليل من الحرّية المقيدة، ومعظم تغطيتها للأخبار تكون ضمن دائرة عربية محدّدة، وخاصة ما يعنى بإطار مشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية الخاصة وما يخدم سياستهم، ففي الإعلام الخليجي نرى الصحف المطبعية والورقية عبارة عن صورة تردّد ذات المواضيع مع تغيير بسيط في العناوين الصحفية (المانشتات) وأعدادها كثيرة، إنه نوع من الديمقراطية الشكلية المتمثل في (تعدّد الصحف الكويتية كمثال)، وفي الإعلام الشرق أوسطي نراه منقسمًا إلى تيارات حزبية (لبنان) أو حزبية متداعية للكلاسيكية القديمة التابعة لسلطة الحزب الواحد (مصر وسوريا وبعض دول المغرب العربي)، وما يتناولونه من أحداث الغرب  يضيئوا به فقط على ما يخدم مصالحهم تلك، فنحن نفتقد إلى ترجمات دراسات وأبحاث تخدم الإنسان العربي وتقدّم له العلوم المتطوّرة بطرق مبسطة ليتعلمها بسهولة، وثقافة حرة غير موجّهة ومعقدة!
ورغم أن العولمة حوّلت العالم بأجمعه من كون كبير مشتت بتواصله إلى قرية صغيرة، فـ «بيت صغير» ومن ثمّ إلى علبة إلكترونية صغيرة (الكمبيوتر)، ومن ثمّ إلى علبة صغيرة لا تتعدى بضع سنتيمترات (جهاز الموبايل أو الهاتف النقال) محدثة ثورة في عالم الاتصالات، فما زال عالمنا العربي يستخدمه بشكل خاطئ، ممّا يفسح المجال للقرصنة والتجسّس وكل أنواع الحروب المعلوماتية والإلكترونية من (رسائل جرثومية مخرّبة وغيرها من أشكال الحروب)، ممّا يضعنا في دائرة كبيرة من الخطر رغم حصارنا في دائرة إعلامية عربية صغيرة تسرق معظم المعلومات عبر الإنترنت، دون أن تتعب نفسها حتى من مقارنة مصداقيتها مع أهل العلم وخبرائهم! حتى فقدنا المصداقية مع المواقع الإلكترونية الغربية المختصّة بالأبحاث والدراسات والإعلام والأخبار باعتبار معظم مؤسساتنا الإعلامية لا مصداقية لها، والارتكاز على فئة قليلة جدًا ذات مصداقية لا تشكل أكثر من 3% من مؤسساتنا تلك!!
دور المال والقوّة في مواقعنا الإلكترونية
أطلقت ثورة الميديا الرقمية والاتصالات ظاهرة اجتماعية جديدة على مجتمعاتنا العربية وبالأحرى على طبقة واحدة محدّدة وهي طبقة الأغنياء والأقوياء، وهي ظاهرة الكمّ الهائل من المدوّنات الشخصية، فأصبح بمستطاع كل مَن يملك مالا أن تكون له مدوّنة عنه تشتمل على كل أحداث حياته الخاصة وما يدوّنه بها من أفكار لا تحدث فرقاً في الوسط الاجتماعي أو الثقافي، أي ما يُسمى بصحافة المواطن إن كان طبيبًا أو مهندسًا أو أديبًا أو طالبًا أو أستاذاً أو شاعرًا أو عالمًا أو مشتبهًا به على كل هؤلاء أو اقتصرت على حياته الشخصية وما يضعه من أخبار من هنا وهناك لإملاء فراغ مدوّنته ولا نفع لها سوى قريته العائلية وأصدقائه والتي تهدف لإضاعة وقت الباحث الجاد! وهذا ممّا جعل هذه المدوّنات موضع مناقشة في المؤتمرات الإعلامية العربية!
مؤتمر اللجنة العربية للإعلام الإلكتروني
تفيد التقارير أن هناك بليوني شخص يستخدمون الويب على نطاق عالمي، وتشير الإحصائيات إلى أن هناك 30 مليون عربي يستخدمون الإنترنت!
وقد بحث مؤتمر اللجنة العربية للإعلام الإلكتروني في انعقاده الخامس في القاهرة في  يناير 2011م الماضي نشاط هذه المدوّنات وتأثيرها على المستخدم العربي إثر دعوة لإعلاميين حكوميين وعرب، فإن هذا الكمّ الهائل من هذه المدونات يعمل على حجب وعرقلة الوصول إلى مواقع إلكترونية لصحف عربية ومستقلة ومعظمها مُعارض لأنظمة عربية معينة! وأشادوا بدور انخراط الصحافة التقليدية في الإنترنت رغم المراقبة والصعوبات التي تتعرّض لها، إلا أنها تعتبر نقلة متطوّرة مسبقة في عالمنا العربي وبموازاة العالم الغربي، خاصة في نشر نسخ إلكترونية للكتب على أجهزة القراءة المؤتمنة E)-book)، وأجهزة مشابهة مع ميزة الاتصال مثل (I-PAD) و(BLAC BOOK) و(LIFE BOOK)، وهذا ممّا يُسمح بشرائه لصاحب المال والغني في مجتمعنا العربي المتطوّر فقط، مثل دول الخليج العربي وبعض أفراد المجتمع في الدول العربية الأخرى التي يعتمد تحصيلهم العلمي عليه كطلاب الجامعات والعاملين في حقل الاقتصاد ورجال الأعمال، أما بقية أفراد المجتمع، ورغم حاجتهم الماسة إليه، إلا أنهم بسبب البطالة والفقر لا يستطيعون شراءه للاستعانة بمعلوماته المهمّة والمتطوّرة في أبحاثهم الدراسية والعملية! ورغم تسريب بعض المعلومات عبر الإنترنت بشكل قرصنة فكرية لنسخ مدمجة CD وفقرات فيديو(you tube)، إلا أن توجّه معظم أجيالنا بكل فئات مجتمعنا العربي إلى ظاهرة تجسّسية من نوع غريب لا حصر لها وهي الفيس بوك أي (FACE BOOK) أو ما يُسمّى الآن بالحياة الأخرى أو الثانية أو المستمرة في (SECOND LIFE) أو تقنية المحاكاة والتي يستخدمها أكثر من 400 مليون شخص من مختلف الجنسيات العربية والأجنبية، ليتواصلوا في كل أنحاء العالم حتى أصبح عالمنا العربي عالمًا رقميًا بامتياز، وعلى الرغم من حجب وعرقلة هذه المواقع في كثير من دولنا العربية إلا أن أجهزة التقنية الحديثة استطاعت تجاوزهم وصدّهم!
 إن التميّز الحضاري الذي وصلنا إليه هو إشكالية جادّة وخطيرة انبثقت منه فجوة كبيرة اخترقت مجتمعنا العربي بانقسام طبقة المثقفين إلى عدة طبقات! أهمها طبقتين: طبقة مثقفة متطوّرة جدًا تحاكي العالم بكل تطوّراته التكنولوجية المعلوماتية والفكرية لتزداد علمًا وتطوّرًا.. وطبقة ثانية مثقفة أيضًا ولكنها فقيرة وتعتمد على وسائل بدائية للمعرفة ممّا يجعلها لا تأخذ التطوّر على محمل الجدّ وتتناوله من كل جوانبه، لتظل متأخرة عن مواكبة كل العلوم الحديثة والمتطوّرة، وهذا ممّا يضعنا أمام معضلة حقيقية ويدفعنا إلى ضرورة إيجاد حل لها ضمن خطة تربوية منظمة لإعداد أجيال متطوّرة في المستقبل لا تنحصر ضمن دائرة الجهل الموجّه والمؤثر على نهضة مجتمعاتنا!
التنافس بين الصحافة الرقمية
والصحافة الورقية
أثبتت دراسة لافتة تعود لأهم المراكز الدراسية العالمية لمراقبة النشر الإلكتروني بأن هناك حوالي سبعة ملايين كتاب نُشروا إلكترونيًا، والجديد منها لا يشكل أكثر من 5% أي أن هناك 95% يشكل إعادة نشر رقمي لكتب قديمة ورقية مطبوعة، أي أن هذه الكتب استمرت موجودة بحالتها وإعادة طبعها ورقيًا أكثر من ألفي سنة، وهذا يعزز الصحافة والكتب المطبوعة والورقية!! كما لفتت مصادر المركز إلى أن هناك 4000 آلاف جريدة إلكترونية على الإنترنت، و30 ألف مجلة متخصّصة، و10 % من تلك الصحف لم تكن أصلا ورقية، و90 % تصدر في طبعتين الأولى ورقية والثانية رقمية، واللافت للنظر أن الصحف المطبوعة الورقية زادت في أوروبا بنسبة 8% في 2010م عن الأعوام السابقة!
إن هذه التقارير والدراسات تثبت لنا أن الصحافة الإلكترونية الرقمية بكل استحداثاتها المتطوّرة لم تستطع أخذ مكانة وإطلالة الصحيفة اليومية في عقل وفكر القارئ العربي والغربي، خاصة بعد أن عملت الصحافة المطبوعة الورقية كل جهودها لتقديمها للقارئ المعاصر بصورة جميلة وحديثة دون استطراد بالكمية الورقية بل بالعمل الجدّي على الكمّ النوعي من مصداقية الخبر وموضوعية الآراء السياسية والثقافية وتناول الأوضاع الاجتماعية ومشاكلها بأدبيات المجتمع العربي، والعمل على تثقيف المجتمع ورفعه إلى مستوى التطوّر العالمي، وعدم تشجيعه على الانحراف بابتذاله مظاهر الحرّية دون التمسّك بقواعدها ومبادئها، وتعريفه على حقوقه الإنسانية، وعدم نشره لمهالك الفساد دون المساعدة بوضع حلول لها بحملاته الإعلامية والسبق الصحفي بإيصال الحقيقة لا الشائعات التي تقض مضجع المواطن وتثير فيه العصبيات، بل توعيته بما يُحاك ضدّه من مؤامرات تستنزف قوته اليومي، وليس زرع الحرب النفسية في نفوسه عند التحريض على أي فتنة دينية أو سياسية!
لذا فإننا نأمل تطوّرًا في قواعد الإعلام وهيئته بتطعيمه بالعقول المثقفة المستنيرة بالتطوّر المستمر للإنسان، بعيدًا عن المنهج التقليدي المتبع ليتحد مع العالم الرقمي! لأن المهم هو ليس كيف ننشر الخبر؟ بل كيفية إيصال المعلومة لفكر القارئ بصدق وحرّية! وأن لا نستخفّ بعقول القراء لأنهم هيئة المحكمة التي تحاسبنا كل لحظة على أخطائنا الإعلامية وتعطينا مصداقيتها وأحقيتنا بالوجود على الساحة ضمن تنافس إعلامي شريف! خاصة أننا الآن أمام مرحلة تغيّرات صعبة على العالم العربي وانتفاضة نوعية من التطوّر الفكري تجعل مسؤولية كل الإعلاميين وأصحاب الصحف أكبر من أي وقت.