Get Adobe Flash player

الحروب وخطرها على أمن النفط العربي

 

   في ظل التغيّر السريع لخارطة الطريق لمنطقة الشرق الأوسط وتغيّر موازين القوى، وتموضع استراتيجي جديد للدول العظمى، وتغيّر الأهداف من محاربة الإرهاب إلى السيطرة على مياه الخليج عسكريًا ومعظم المياه الإقليمية، وتوسّع نفوذ بعض الدول التي كانت على الحياد ومشاركتها في نشر منظومة الصواريخ الدفاعية الأمريكية محاولة منها لقيادة العالم الإسلامي، وأمام مواجهة من دول أخرى تتحدّى هذا التجمهر العسكري في مياه الخليج وتريد فرض حصّتها من ثروات المنطقة النفطية بتسليح دولة إسلامية أخرى بالسلاح النووي محاولة منها لقيادة المنطقة الإسلامية، وأمام هذه التحدّيات الروسية - الأمريكية ودخول قوىً أخرى اقتصادية كالصين التي تتحدّى الولايات المتحدة الأمريكية زاحفة كالتنين الناعم للهيمنة العالمية، كيف نرى وضع أمن النفط في العالم العربي؟

لقد لعب النفط دورًا هامًا على صعيد العالم كله، فهو شريان الطاقة المحرّك لاقتصاد العالم ومنتجاته دون توقف، ومن دونه تتوقف عجلة الحياة المتطوّرة، رغم أن بعض الدول حاولت الاعتماد على بديل للطاقة باستخدام الطاقة النووية في توليد الكهرباء بعد أن شحّ تواجد النفط في مناطقها، وبما أن النفط ومشتقاته ومخلفاته يغذي كل ميادين الصناعة الصغرى والكبرى ودفع عجلة الاقتصاد نحو التطوّر التقني الذي هي عليه الآن، أصبح هدفاً قوميًا للدول الكبرى في محاولةٍ للتحكم به أو بالأحرى في المحاولة للسيطرة عليه بكل الوسائل السلمية الدبلوماسية وبالعسكرية عبر افتعال الحروب الإقليمية في الأمكنة المتواجد فيها بكثرة إن كانت أنابيبيه أو مصافيه أو حقوله، وأماكن تخزينه وأسواقه الداخلية والخارجية، واعتبرت الجيوسياسية هي الاستراتيجية الجديدة للدول الكبرى في توجيه اقتصادها، بما فيهم الصين المنافس الاقتصادي الأول لأمريكا.

كيف توجّه العالم نحو النفط الخليجي؟

كان نفط الخليج المكسيكي ونفط البحر الأسود محورًا جيوغرافيا للنفط والغاز الطبيعي قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، وكان أباطرته يقودوا العالم بتحكمهم بمصادره وطرق استيراده وتصديره إلى كل أسواق الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، حتى اكتشف النفط الخليجي وقسّم بين أقوى دولتين- في ذلك الوقت- أمريكا وبريطانيا، إلا أن قوّة أمريكا جعلته مقسّمًا بينهما 1944-1945 بعد اجتماع يالطا في 3 فبراير1945م، فقسّما النفط السعودي والعراقي والكويتي مناصفة بينهما، حتى تصدّر النفط الخليجي المكانة الجيوغرافية المهمّة في كل أسواق العالم، خاصّة بعد تعرّض خليج المكسيك إلى أزمات نفطية حادّة بين عامي 1973-1979 وتهافت الدول الكبرى على شراء النفط الخليجي.

الدول الغنية بالنفط

وأهمّ الدول الغنية بالنفط والغاز الطبيعي- والتي تشكل منطقة جيوسياسية مهمّة للدول العظمى للسيطرة عليها- وهي تمتد من دول المغرب العربي (شمال أفريقيا) ثم منطقة الخليج العربي، وبحر قزوين وسيبريا الروسية، والشرق الأقصى، وتشكل ما مجموعه 65% من الاحتياطي الإجمالي للنفط و73%من احتياط الغاز الطبيعي في العالم أجمع، وتعتبر هذه المنطقة قلب النفط الذي يضخّ في شرايين العالم.

- وفي شمال شرق آسيا وجنوب شرقها وقطاعها الجنوبي، إضافة إلى القارة الأوروبية.

- كما تشكل أمريكا الشمالية وبعض المناطق الأفريقية- جنوب الصحراء- خطاً مهمًّا للنفط.

- اوقيانوسيا: تعتبر موردًا نفطيًا وغازيًا مهمًّا على المستوى العالمي.

- وتمتلك منطقة شمال أفريقيا وشمال غرب أفريقيا من احتياطي النفط الإجمالي 110 مليار طن أي 70% من إجمالي الاحتياطي العالمي من النفط، خاصّة في ليبيا، وأهميته في زهد تكاليف استخراجه وتفوّق ظروف جيولوجية أراضيه عن أراضي الخليج في الشرق الأوسط.

- منطقة آسيا الوسطى، احتياطي النفط فيها 7800 مليون طن، الغاز 58000 مليار متر مكعب، وأهميتها في سهولة نقلها للصين وسرعتها، ولكن تواجد دول حلف الناتو والقوّات الأمريكية في المنطقة يعرقل مصالح الصين.

- أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي، وفي أمريكا الشمالية.

- فنزويلا: وتعتبر المالك الأكبر لاحتياطي النفط الثقيل، وخليج المكسيك والبرازيل من الدول المنتجة للنفط.

- روسيا ودول الاتحاد السوفيتي سابقاً، والمناطق المتاخمة لبحر قزوين وسيبريا.

- دول الكومنولث: ومعدّل إنتاجها اليومي العام من النفط 16% والاحتياطي 8.3 %                     

- تشكل الدول العربية- والخليجية خاصّة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية- أهمّ مركز لاحتياطي النفط العالمي، إذ بمجموعها تشكل 57.5 % من احتياطي النفط العالمي أي 683.66  مليار برميل نفط وذلك إلى تاريخ 2010م.

- تتربّع المملكة العربية السعودية على عرش البترول في منظمة «أوبك» بنسبة 20%، والعراق 10% والكويت 8%، والإمارات العربية المتحدة 10%، وقطر 2%.

- كما تمتلك الدول العربية الخليجية من الغاز الطبيعي 54.8 تريليون متر مكعب أي 30.2% من احتياطي العالم من الغاز حتى سنة 2010م، بينما احتياطي الغاز يعادل 54% في 3 دول فقط هي: روسيا 24% وإيران 16% وقطر 14%.

- أما الفحم فيشكل النسبة الكبيرة في أمريكا أي 70% وفي روسيا 19% وفي الصين 13% وفي الهند 7%.

معدّلات الأمن النفطي للبلدان الغنية بالنفط

- أن لا يتجاوز أي بلد نفطي حجم واردته 50 مليون طن، حتى لا يتأثر أداؤه المحلي بحركة الأسواق العالمية.

- أن لا يتجاوز الـ 100 مليون طن، حتى لا يتهدّد أمن إمداده النفطي، خاصّة إذا لم يكن له شبكة علاقات اقتصادية سياسية - عسكرية.

إننا نلاحظ اشتداد الطلب على النفط، رغم ما تتركه عملية احتراقه من تلوّث للمناخ والبيئة، إلا أن الأسواق ما زالت تركز على طلبه، خاصّة أمريكا والصين، حيث أنهما المتنافسان الأوّلان في السيطرة الاقتصادية على العالم، وهما اللتان لم توافقا- إلى الآن- على مقرّرات الدول العشرين حول الاحتباس الحراري وما يتركه عدم الانتظام بالقرارات الدولية لمنعه بالاعتماد على وسائل أخرى غير النفط أو معالجة عملية احتراقه بحيث لا يلوّث المناخ ويزيد من الاحتباس الحراري الذي يؤدّي إلى كوارث جيولوجية وبيئية تؤثر على الأرض وما فيها من حياة، إلا أن متطلبات الحياة واستمرارها مازالت تحث الطلب عليه لاستمرار إنتاجها الصناعي والتكنولوجي الذي يعتمد عليه كثيرًا كما يعتمد الإنسان على الماء.

وسنأخذ الصين مثالا في اتجاهها نحو التنافس الاقتصادي لأمريكا، وما آلت إليه من استيرادها للنفط.

أخطاء الأمن النفطي الصيني

بدأت الصين تشهد نموًا اقتصاديًا سريعًا في السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين، وذلك قبل أن تضع خطة استراتيجية لتشكيل احتياطي نفطي يؤمّن طلبها المتزايد على النفط بما يوازي إمكاناتها الداخلية، إذ زاد اعتمادها على استيراد النفط  خلال خمس سنوات من 7.6% سنة 1995م إلى 8.33% سنة 2000م، أما استهلاكها للنفط فقد بلغ 247 مليون طن عام 2002م منه 167 مليون طن من الإنتاج المحلي، و80 مليون طن استوردتها من الخارج، ومن المتوقع أن يصل استهلاكها إلى 450 مليون طن في عام 2012م لتلبّي حاجة مصانعها الإنتاجية التي تغرق العالم بسلعها.

ومن البديهي أن تفتش الصين- كغيرها من الدول الكبرى- على مناطق بكر لم تكتشف أو تستهلكها الدول الكبرى، لذا غزت الصين بشركاتها مجاهل أفريقيا لاستخراج المعادن وأهمّها الحديد والنحاس، إضافة إلى تعاقدها مع حكومات شمال أفريقيا لاستيراد النفط بأرخص الأثمان عن غيره في مناطق دول الخليج العربي وروسيا وإيران حيث تستورد منهم النفط والغاز، وهذا الغزو الصيني لدول أفريقيا عجّل بتهافت الدول الكبرى لاستثمار نفطها- وبسرعة- قبل أن تستأثر به الصين وغيرها من الدول الأوروبية المتاخمة لحدودها، وخاصة في ليبيا ودول المغرب العربي، ولنرَى أين تموضع هذا التهافت نحو الدول النفطية في المنطقة التي تستأثر على أكبر احتياطي له؟ وهل الحروب في منطقتنا مفتعلة أو محض صدفة؟ وما هو التغيير الجيوغرافي- والجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط؟

إن من المُلاحَظ أن منطقة الشرق الأوسط لم تهدأ ساحاتها من المعارك منذ اكتشاف النفط في أراضيها، وحتى بعد خروج المستعمر البريطاني والفرنسي والإيطالي والروسي وغيرهم من الدول المستعمرة، ليحلّ مكان هذا الاستعمار المستعمر الأمريكي غير المباشر بقوّته السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، بتنافس مرير مع دول كبرى تدفع ثمنه الشعوب المغلوب على أمرها من دكتاتورية حكامها المتحالفة مع هذه الدول لحماية مراكزها واستمرارية حكمها، فلقد شهدنا انقلابات عسكرية منذ أربعينات وخمسينات القرن الماضي في مصر وسوريا وتونس والجزائر وليبيا والعراق وإيران، كما شهدنا تغييرات في الحكم في كل من باكستان وأفغانستان، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وممّا غيّر ملامح منطقة الشرق الأوسط- ومن ثمّ تغيّرت الاستراتيجية الأمريكية في السيطرة عليها وبدأت مراحل التغيير السريع- تفاجؤ حكامنا المذهولين والخائفين على أنظمتهم لتبدّل خطة الغزو الحديثة، فالصراع العربي- الإسرائيلي الذي خدّر المنطقة حتى غرقت الشعوب بفقرها وتباطؤ نموّها الصناعي والفكري من حرب 48 ووعد بلفور بتقسيم فلسطين بين اليهود والفلسطينيين إلى حرب 67، ومن ثمّ حرب أكتوبر 73، إلى انقلاب الشاه في إيران وجلوس الحكم الديني الشيعي مقابل الحكم السنّي في الخليج، ليبشر بصراع جديد عند الحاجة يهزّ المنطقة بدءًا من حرب العراق وإيران لثمان سنوات، ثم الحرب الأهلية في لبنان وغزو سوريا للبنان، وما أن هدأت هذه الجبهة حتى غزا العراق الكويت، ومن ثمّ أحداث 11 سبتمبر التي حرّكت الجيوش الأمريكية إلى المنطقة بعنوان كبير هو (محاربة الإرهاب) لتتوسّع جيوغرافية الشرق الأوسط مع الأدنى والأقصى، ولتمتدّ من أفغانستان وبحر قزوين إلى باكستان وإيران وروسيا والبحر الأسود وتركيا والعراق والبحر الأبيض المتوسط لتصل إلى البحر الأحمر إلى القارة السوداء، منطلقة من شمالها ثورة تونس ثم مصر وليبيا لتعمّ دول المغرب العربي وبالنهاية كل أفريقيا، وبعدها مركز الشرق الأوسط (سوريا) ومركز الخليج وأمن بحره الخليجي (اليمن) ليمتدّ من كل الخليج عبر إيران إلى روسيا وتركيا.

إن من الطبيعي أن نقول: لماذا كل هذا العذاب ونحن نورّد للدول الكبرى كل ما يطلبونه من النفط وهم المتحكمون بالأسعار والأسواق؟! ولكن السؤال: هل يستطيعون دفع ثمنه طوال الحياة؟ بالطبع لا، ما يملكونه غير ما يضطرهم لاستيراده، خاصّة أنهم- الآن- أمام منافس قويّ يشتري النفط بأسعار باهظة ويبيع منتجاته بأسعار زهيدة، هذا المنافس هو الصين.

لهذا فأمن الخليج في حال خطر- أعني نفطه- وكذلك معظم تلك الدول التي هي في دائرة الشرق الأوسط الكبير، خاصّة أن نفط تلك الدول مهدّد بالنضوب خلال سنوات 2020- 2050م.

منظمة الأوبك

أثرت حركة الثورات العربية الأخيرة على تلبية حاجة الدول الكبرى من النفط، إلا أن «أوبك» استطاعت تأمين النقص الذي نتج من توقف الإمداد النفطي الليبي إلى دول مثل الصين والهند وبعض الاقتصادات الناشئة، وقد زاد معدّل الطلب إلى دول «الأوبك» الاثني عشر إلى أكثر من 30 مليون برميل يوميًا، وارتفع ثمنه من 70 دولارًا إلى 100 و105 دولار للبرميل الواحد خلال شهري سبتمبر وأكتوبر 2011م، وهو سعر جيّد بعد اهتزاز سعره عند بدء الأزمة المالية في 2008م، من 147 دولارًا للبرميل إلى 70 دولارًا، وتعتبر دول «الأوبك» هي الأكثر ترجيحًا في ضمان أمن الطاقة العالمي، وذلك لاكتشاف أكثر من 89 حقلا نفطيًا وغازيًا، وحقل (خريص) وحده في السعودية يُنتج خمس احتياطي النفط العالمي، وتقدّر احتياطات النفط السعودي بـ 260 مليار برميل، عدا الأراضي التي تتضمّن الكثير من آبار النفط  في الخليج العربي وغير مصرّح عنها، وتعتبر من أكبر احتياطي النفط العالمي، كما حققت مصر في اكتشاف أكثر من 63 اكتشاف حقل نفطي وغازي في أراضيها.

لذا ازداد الطلب على النفط بأكثر من 40%، كما تعمل روسيا على تحسينات تقنية حديثة لتلبية حاجات السوق العالمي من النفط والغاز.

ملخص دراسة أعدّتها شركة

(بوز أند كو bozandco)

ترى الدراسةُ أن النفط لا ينضب! وكما ذكرنا بأن هناك أراض نفطية لم تكتشف إلى الآن، إلى جانب وجود إمدادات ضخمة من النفط غير التقليدي الذي يتمّ إنتاجه من احتياطات رمال القار والطين النفطي والغاز الطبيعي، والفحم تصل إلى 6.5 تريليون برميل، ولكنها تؤثر على البيئة والمناخ لحدوث انبعاثات الغازات الدفينة، ومعلوم أن إنتاج النفط في العالم يخضع لعروض العرض والطلب، ممّا يؤدّي إلى زيادة معدّلات الإنتاج أو توقف وتراجع إنتاجه، ورغم كل التأثيرات في بعض الدول الأعضاء في منظمة «أوبك» ودول الاتحاد السوفيتي السابق فمازالت تنتج نفس المعدّلات وبمستويات أكثر حسب مصالحها، أي حوالي 85 مليون برميل يوميًا تكفي للاستهلاك العالمي في هذا الوقت.

الاحتلال العسكري وتأثيره على إنتاجية النفط

تجدر الإشارة إلى أن النفط خاضع للتغييرات الاقتصادية والتجارية والسياسية والعسكرية في كل العالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط الكبير.. لذا نستعرض بعض التأثيرات على تلك الدول:

- العراق: وإذا أخذنا الحروب وتأثيرها على إنتاج النفط فسنرى أن العراق قد تراجع كثيرًا عمّا كان عليه قبل احتلاله من قِبل القوات الأمريكية التي استنفذت معظم مقدّراته النفطية، حيث تتصارع كارتلات البترول الجبّارة فيما بينها للاستحواذ على عقود اكتشاف واستخراج الغاز والنفط في العراق، وذلك لسهولة استخراجه بأقل بـ 10% من باقي النفط في الدول العربية، ويعتبر العراق أهمّ خزين احتياطي للنفط يعادل ضعف الاحتياطي العالمي، إلا أن الحكومات الحالية  القائمة على حقول النفط في كل من: كركوك والبصرة وفي شمال وجنوب العراق، تسيء استخدام التعاقد مع الشركات الأجنبية وذلك لصالح الشركات الأمريكية، ولا توجد أية خطة استراتيجية للحفاظ على أمن النفط العراقي الذي يتخبّط بين اتفاقيات هندية وروسية وصينية ويابانية وإيرانية وأمريكية، ممّا يذهب بمقوّمات الدولة الاقتصادية نحو الهاوية، لذا عليها أن تتطلع لخطة مستقبلية لأمن نفطها تنأى بها عن التجاذبات السياسية، وأن تتخلي عن التزامها مع الشركات الأمريكية تدريجيًا بما ينفع مصلحتها القومية أولا، وأن يعمل المسؤولون على ضرورة المحافظة على أمن بلادهم من الفتنة الطائفية المستعرة والتفجيرات شبه اليومية للمراكز الحيوية في البلاد، إضافة إلى المراكز الدينية، ممّا يُسقط مقوّمات أركان الدولة.

- ليبيا: التي تكاتفت على سقوطها القوات العسكرية الأمريكية ودول حلف الناتو من جهة، وثوّارها المعارضون لديكتاتورية حاكمهم القذافي، ممّا جعلهم رهينة لقيود شركاتهم الأجنبية لاستثمار نفط بلادهم مقابل تحريرها، وهذا الذي كلف خزينة ليبيا مئات المليارات من الدولارات، وستأخذ وقتاً طويلا لاسترجاع مكانتها النفطية بين الدول المنتجة، هذا إذا لم ترضخ سنين طويلة للإيفاء بديونها من النفط للدول الأجنبية والشركات الاستثمارية الروسية والصينية وغيرها من الدول التي ألغيت عقودها بسبب هذه الحرب، وهذا من شأنه أن يُعيق نمو ليبيا الاقتصادي وتصدّرها مكانة نفطية.

- إيران: وتعقيدات الملف النووي التي يؤثر على تلبية حاجاتها النفطية من الدول المجاورة، ويجعلها عرضة لمزيد من العقوبات الدولية، وأخطر من هذا الآن: أن أي  تدخّل عسكري دولي قد يؤثر على نموّها النفطي وتطوّرها اقتصاديًا.

- نيجيريا: التي تزداد فيها حوادث تخريب المنشآت النفطية، وكذلك اختطاف العاملين الأجانب في شركاتها النفطية، ممّا يُعيق إنتاجها النفطي ويؤثر على أمنها ونموّها الاقتصادي.

- فنزويلا: حيث تعاني من اضطرابات سياسية واجتماعية واقتصادية وتراجع في إنتاج النفط، ممّا يؤثر على مكانتها بين الدول المنتجة للنفط.

ورغم هذا توقع «هوارد» الخبير البريطاني في شركة (ب . ب) بأن الطلب العالمي على النفط سيزداد  في 2020م من 95 إلى 110 ملايين برميل يوميًا، وتوقعت شركته تلك بأن هناك أكثر من 60% من احتياجات الطاقة العالمية حتى 2050م.

استراتيجية أمن الطاقة العالمية

هناك دراسة أعدّت عن مصير النفط بعد 4 عقود أي في عام 2050م، إذا ما استمر التزايد السكاني الذي سيصبح 9 مليارات، وهذا ما يعني أنه سيتزايد الطلب على النفط لسدّ احتياجاته الاستهلاكية والإنتاجية من الطاقة، أو نحتاج إلى بديل للطاقة الموجودة من الشمس والرياح والمصادر الجيولوجية الحرارية.. وقد أجريت عدّة دراسات لمواجهة المخاطر التي تؤثر على النفط في العالم والدول العربية، وأهمّها تلك الدراسة التي أجريت على 800 حقل نفطي تغطي نسبة ثلاثة أرباع الإنتاج العالمي للنفط، وأسفرت هذه الدراسة عن أن القدرة الإنتاجية الآن هي 6.7 % أي في 2011م، بينما كانت في 2007م لا تتجاوز 3.7% أي أنها تضاعفت خلال 4 سنوات، وهذا ممّا ينبئنا بكارثة تهدّد العالم، خاصة وأنه لم ينجُ بعد من تداعيات الأزمة المالية العالمية، وهذا أيضًا يدلنا على أن حاجة الشركات الاقتصادية ستزيد من طلبها على النفط إذا ما استمرّت على هذا الحال، وقد يصل الطلب إلى نسبة 12 مليار برميل من النفط يوميًا في 2012م ونسبة 57 % من استهلاك الغاز الطبيعي، وذلك يؤشر إلى أزمة تدفع بتهافت الدول الكبرى على نفط الخليج للاستئثار باحتياطاتها بكل الوسائل المتاحة حتى لو كانت حربًا شاملة.

أرقام وزارة الطاقة الأمريكية

أشارت الأرقام الصادرة عنها إلى أن استهلاك العالم للنفط ارتفع من مليون برميل يوميًا إلى 8 براميل منذ الحرب العالمية الثانية حتى مطلع الألفية الثالثة أي عام 2007م، وسيزداد استهلاك النفط في الدول النامية وحدها 96% في عام 2025م، والغاز الطبيعي 13% في كل من الصين والهند، أما إنتاج النفط العالمي فسيصل إلى 12 مليون برميل أي بزيادة تقدّر بـ 4 مليون برميل عن الإنتاج الحالي.

إجراءات الحماية ومعاهدة ستفاليا 1948

تكفل تلك المعاهدة حماية الدول المنتجة للنفط وآبارها وحقولها ومصافيها ومنشآتها وأماكن تخزينها بقوانين حماية وعقوبات لمن يعتدي عليها أو يتعرّض لها بأي خطر، إلا أن الدول الكبرى لا تعرّض نفسها لأي عقوبة إذا احتاجت للنفط من أي دولة كانت، حينئذ يصبح الاستيلاء عليه مصلحة قومية لاستمرارية قوّتها الاقتصادية ونفوذها بالسيطرة على العالم، لذا يحق لها مالا يحق لغيرها، فهي تنصّب نفسها الحامي لهذا النفط فتتدخّل لحمايته عسكريًا، أو بالأحرى إنقاذه من أجل استثماره من قِبل شركاتها بشكل حصري- كما حصل في العراق وليبيا أخيرًا- حتى لو اضطرت تلك الدول الكبرى إلى استثناءات بسنّ قوانين جديدة ترعى مصالحها النفطية في العالم، فقد أقرّ الكونغرس الأمريكي عام 2007م قانون «النوبك» القائل: (لا تكتلات لإنتاج النفط وتصديره)، وذلك بغرض فرض الوصاية على منظمة «أوبك» والتحكم بالنفط العالمي، بل إن هذا القانون ممّا يتيح لها محاكمة منظمة «أوبك» وما يماثلها من منظمات نفطية تحاول التحكم بالأسعار، أو التلكؤ في عملية الإنتاج، أو توقيفه، أو المضاربة به في الأسواق.

لذا نرى اليوم منافسة للسيطرة على مراكز مصادر النفط تمتدّ من الوطن العربي وصولا للبحر الأحمر وحتى خليج غينيا وبحر الصين الجنوبي، مرورًا بحقول النفط في بحر قزوين والتي هي في حالة صراع ما بين روسيا وإيران من جهة، وسطوة القوات الأمريكية على النفط في أذربيجان وأفغانستان وباكستان من جهة أخرى.

الوكالة الإعلامية لشؤون الطاقة الأمريكية

تتوقع تلك الوكالة مضاعفة واردات أمريكا الشمالية من النفط الخليجي ما بين 2002 - 2025، وكذلك الهند التي تعاني من نقص في النفط وتستورد بنسبة 70% منه، كما أن هناك مخاطر تهدّد بإقفال مضيق هرمز في حال أي تدخّل عسكري أمريكي أو أطلسي في إيران ممّا يُعيق حركة ناقلات النفط التجارية في مياهه التي تشكل معبرًا مهمًّا لحوالي ثلثي الإنتاج النفطي الذي يستهلكه العالم.

ما هو البديل للنفط  في استخراج الطاقة؟

تسعى الدول الكبرى إلى استخدام بديل للطاقة، بينما- في الوقت ذاته- تغذي شركاتها الاقتصادية بما هو متوفر حاليًا من النفط العربي، وتعمل على تخزين احتياطيها النفطي للحاجة الملحّة، وتحاول استخدام الطاقة النووية كبديل له في المستقبل والغاز الطبيعي، أو ما يسمّى بالتكنولوجيا الخضراء، ولكن: هل نحن نبحث عن أمن الطاقة لأمريكا وحدها أم للعالم بأجمعه؟ هذا ما جاء في تقرير للخبير الأمريكي في جامعة كامبردج «دانييل برجين» حيث ذكر أن أمن الطاقة لأمريكا يعني خفض اعتماد أمريكا على الواردات النفطية عن طريق الترويج لأنواع وقود منتجة محليًا مثل «الإيثانول» الذي هو قاتل للإنسان إن لم توضع له حماية خاصة، وأيضًا عن طريق تخفيض مخاطر الصدمات السعرية بالاعتماد على عدّة مصادر ومورّدين، وكذلك انتقلت أوروبا إلى الطاقة النووية كبديل للطاقة.

إن المطلوب هو طاقة لا تقضي على الكون بالتلوّث، أي طاقة خضراء نظيفة تتيح النمو الطبيعي للبشر وسائر الكائنات الحية، والسؤال الآن: هل لدى العالم العربي خطة استراتيجية كبديل لنفطه إن سُلب منه؟ أو هل من أخبار عن تحضيره لبديل طاقة آخر يحمي بلاده من التلوّث ويزيد باستمرارية وجوده؟.