Get Adobe Flash player

الثورات العربية واقع... أحدث التغيير

 

إننا نعيش في غمار فترة من التغيير الثوري الذي بلغ في عمقه إلى حدّ التغيير المحدث في تاريخ الجنس البشري، ذلك لأن صفاته الجوهرية نابعة فقط من قاعدة شعبية لا تكترث بالموت والقتل والإبادة، إرادة شبابية فعّالة وناقمة على أنظمة بالية سرقت أحلامها وأخفقت في نموها الاجتماعي والفكري والسياسي واحتكرت ثروات إنتاجية شعبها، وخدّرتها عقودًا باسم الوطن وأمن المواطن، والمميّز في هذه الثورات الشبابية أنها لا تملك أي خلفية سياسية عقائدية أو حزبية أو دينية أو فلسفية، ولا تملك بين يديها أي فكرة لمنتظم سياسي، إنها تريد الحرية الحقة، حرية الرأي والعمل، والعدالة الإنسانية لكل أفراد المجتمع.

ولقد سهّلت التكنولوجيا الحديثة، من انترنت ونوافذه للتواصل الاجتماعي، من تحويل الكون الكبير المفتوح إلى عالم صغير، بل إلى قرية تجمع شباب العالم ضمن مسكن صغير يشكون عبره همومهم وأحلامهم الصغرى والكبرى، مدركين من خلال تواصلهم الإلكتروني مع نظرائهم من الشباب الغربي مدى تخلف أنظمتهم ونهضة الآخرين وتطوّرهم، بل لقد كشفت هذه العولمة الحالة اليائسة التي هم يعيشونها من خوف المستقبل والقلق اليومي لتحصيل لقمة العيش، هاربين إلى الخارج للعمل أو خوفاً من السجن والقتل إن طالبوا بحقوقهم أو عبّروا جهارًا عن رأيهم، ثائرين على أنظمة همّشتهم على مدى عقود، معتبرة القوة الشبابية همًّا استهلاكيًا بدل إقرارها بأنه القوة الإنتاجية المستمرة والمبدعة، إن وُجهت ضمن خطة تنموية اقتصادية وثقافية تواكب حضارة العصر من حيث التطوّر لتحقق أحلامها وتطوّر بلادها على أسس صحيحة وراقية وحضارية.

لقد أقرّ شباب ثورة تونس ومصر حتمية التغيير، رافضين عار أنظمتهم المعششة بالفساد داخل مؤسّساتها، مطالبين بإسقاط الحاكم الذي استفحل باستبداده وظلمه واحتكاره لثروات بلادهم لنفسه وعائلته وحاشيته طوال فترة حكمه، ضاربًا بعرض الحائط تطبيق قوانين العدل الإلهية والبشرية وتحقيق أي عدالة إنسانية لشعبه، مخضعًا وطنه الغني بمقدّرات هائلة من النفط ومرافق الخدمات بمعاهداتٍ خارجية وديون تبقي شعبه في حالة العوز والفقر لتصرفه عن حقوقه الإنسانية وتطلعاته المستقبلية.

المعضلات التي تواجه هذه الثورات الحديثة

- أولى المعضلات الكبيرة: (جهل القاعدة الشعبية): التي تواجه ثورات الشباب المثقف، الجهل المطبق بين شعوبهم واقتحام التطوّر التكنولوجي لبلادهم واستخدامه السيئ من قِبل القاعدة الشعبية لعدم وجود أي نمو ثقافي يؤهّلهم لاستخدام المواقع الإلكترونية بشكل سليم للبحث عن معلومات علمية تفيدهم، بل كانت نوعًا من الإدمان على مواقع خلاعية وإباحية أو العكس على مواقع دينية متطرّفة تحثهم على الموت والانتحار في سبيل القضاء على كل ما هو متطوّر والذي يعتبرونه بدعة شيطانية، والتي ركزت تلك الأنظمة الفاسدة على إباحة هذه المواقع لهم لصرفهم عن أي تطوّر فكري يعرّفهم على حقوقهم المدنية والإنسانية.

- المعضلة الثانية: (الأحزاب العقيمة): حيث تواجه هذه الثورات الشبابية الهادرة كأمواج المحيط والممتدّة من شمال أفريقيا وصولا للخليج العربي ومنطقة البحر المتوسط، تلك الأحزاب العقيمة ببرامجها التنموية والمتلونة والمتعدّدة بأهدافها التدميرية للتطوّر بعيدًا عن أيديولوجيات لم تفلح بزمانها، فكيف ستفلح مع ركاب الحضارة السريع بتطوره؟! والتي تحاول احتواء ثورة الشباب واستغلالها لتحقيق مآربها للتسلط على الحكم من جديد، كما تحاول أن تخضع الشباب لتبعيتها ومن ثم يعودوا لحياة الظلم والاستبداد، بمنظور ديني متطرّف هدفه الحروب المستنزفة وإلغاء الآخر، أو أحزاب أيديولوجية عفا عليها الزمن بأفكارها المحبطة لأي تقدّم نحو العالم المفتوح، وهذا ما نراه عبر إعلام هذه الدول الكبرى من إلغاء عالمها الإلكتروني المفتوح عند أي حركة تغيير شبابية، حتى لا يشهد العالم أخطاء أنظمتها ودكتاتوريتها رغم تطوّرها الاقتصادي كالصين وإيران مثلا.

- المعضلة الثالثة: (الفوضى) وهي حالة ما بعد الثورة التغييرية: حيث يحصل لدى الثوار بعد إسقاط الحاكم وتجميد تحرّكات نظامه بعضًا من حالات الذهول والتشتت بالأفكار، فيعمدوا إلى المزيد من المطالب، فيأتي نفي الجوع أول المقام في تأمين نظام يؤمّن لشعبهم الاكتفاء الذاتي، ثم تبدأ عملية التمسّك بمبدأ سيادتهم القومية عندما تطرأ عليهم إملاءات خارجية دولية لعبت دورًا كبيرًا في تثبيت نظام حاكمهم السابق لإبقائهم في معزل عن أي تطوّر، لذا يعمدون إلى إلغاء كل الاتفاقيات السابقة مع الغرب دون إجراء أي عملية بحث فيما يفيد بلادهم أو يخضعها لقيود الديون والعقوبات أو يعرّضها لنكسة اقتصادية، وهي معضلة مهمّة جدًا تتيح للخارج بالسيطرة عليه من خلال القوانين الدولية التي يمكن أن تدينه وتحوّل ثورته إلى فراغ وفوضى، تعمد إلى إثارة القاعدة الشعبية عليه خوفاً من الحروب الإقليمية.

- المعضلة الرابعة: (القيادة العسكرية للحكم) فعلى الرغم من ضرورة تواجد الجيش لحماية البلاد من الفوضى، إلا أن تسلمه لمقاليد الحكم تبعث على الخوف من عودة الحكم الاستبدادي للشعب من جديد وتحوّل النظام إلى الحكم العسكري، الذي يلغي أي تطوّر للمجتمع المدني ويُدخل البلاد في حالة خوف ورعب من جديد بحجة الأمن، وربما تعود ألوية النظام السابق للاحتماء به والتستر لتكريس أعمالها الفاسدة بسرقة ثروات البلاد وتأمين احتياجات المتنفذين من قياديي الجيش باقتسام ثروات الشعب معهم، ممّا يخلق حالة من عدم الثقة بين الجيش والشعب، تلك الحالة التي تؤدّي إلى تقسيم البلاد أو خضوع للأمر الواقع بحجة أمنهم وأمن البلاد.

وهناك كثير من المعضلات ستواجه الثورة الشبابية الجديدة إن لم تسرع إلى وضع خطة تنموية للمجتمع بكل أوجهه التربوية أولا، والتركيز على النمو الثقافي والسياسي لشعوبهم، ثم تنظيف الإعلام من رواسب النظام الفاسد الخاضع للمصالح الشخصية بأن تكون مصلحة الوطن فوق كل المصالح لحماية المؤسّسات من الفساد، وكذلك التركيز على النمو الاقتصادي بالعمل على توزيع الثروات الإنتاجية على كل أفراد الشعب بالتساوي من طبقات عمالية وموظفين ورجال أعمال ومهن حرة، وتوسيع النطاق الاقتصادي بانفتاحه على كل دول العالم ليكتسب مزيدًا من الثروات التي تنعش اقتصاده بمعاهدات اقتصادية وسياسية تنزع عنه صفة المدين، وتضفي عليه صفة الدول المنتجة والمصنّعة ليلحق بركاب الدول العظمى، والتركيز أيضًا على السماح بحرية الفكر والرأي من خلال السماح بتعدّدية الأحزاب ضمن مراقبة ذاتية وطنية لهم، لتحقق نوعًا من الديمقراطية في إجراء الانتخابات الحرّة التي تتيح لأهل الكفاءة والعلم بالوصول إلى سدّة الحكم لتحقيق المطالب الشعبية وتأمين حاجاتهم وحلّ مشكلات الفقر، وإصلاح كل مرافق الدولة التي عبث بها فساد النظام السابق.

والأهمّ من كل هذا هو عدم وقوع هذه الثورة، المستحدثة في التاريخ، في فخ الأنظمة السابقة وهو قتل وسجن كل مَن يخالفهم الرأي، حتى لا يتحوّلوا إلى نظام دكتاتوري، حتى لو كان هدفهم هو اجتثاث قوى الظلم والفساد لأن ذلك يجعلهم يخطئون بالتصرّف الإداري لسياسة الحكم، ممّا يحوّلهم عن النمو المجتمعي المدني إلى مجرد نظام فاشل يعمل على حماية نظامه، فتتكرّر الحالة ويعود الظلم والفساد ويفقد الشعب ثقته بالثورة وأهلها.

الثورات الأولى في عالم الغرب

تعتبر الثورة الفرنسية (1789-1799) نموذجًا لثورة الشعوب التي تطالب بالحرية والعدل والمساواة، والتي أسقطت الحكم الملكي المحكوم من الكنيسة، وتطوّرت تلك الثورات المتلاحقة في الحكم لتنعم بحكم ديمقراطي بعد الحرب العالمية الثانية، معتمدة على تطوّره بما يخدم تطلعات شعبها وسياقاً في ركاب التطوّر، وسبقتها الثورة البريطانية (1640-1688) التي أحدثت تغيّرًا في العالم الاقتصادي ونهضة اقتصادية شملت كل أوروبا، ثم الثورة الأمريكية (1776)، والثورة السوفيتية التي أسقطت حكم القياصرة واستبدادهم بتكريس ثورة العمال (1922-1971)، وقد سبقت تلك الثورات الكبرى لدول العالم ثورات كثيرة لا حصر لها منذ بداية التاريخ القديم وأعقبتها ثورات قومية في مختلف دول أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، والثورة الشيوعية في الصين (تلاقي أيديولوجية ماركس مع القومية الصينية)، وهناك ثورات فاشستية في إيطاليا (موسوليني)، وثورة نازية في ألمانيا (هتلر).

وما يجمع كل هذه الثورات أنها كانت شعبية، وأنها أعلنت جميعها باسم الحرية ورفعًا للظلم، رغم تناقض أيديولوجياتها، ولكن كان أهمّ أسباب نجاحها أنها انبثقت جميعها من أكثرية الشعب ضدّ أقلية مستأثرة بالامتيازات السلطوية، وقد حلّ مكان هذه الأقلية قادة هذه الشعوب الثائرة، ولكنهم تحوّلوا إلى حكام دكتاتوريين أعادوا الظلم والاستبداد إلى الشعوب ولكن بمفهوم آخر وطرق مختلفة ومتنوعة.

إن هناك حقائق تاريخية لا يسعنا انتقاص أي منها، خاصة في شأن الثورات التي حدثت في منتصف القرن العشرين وغزو عقائد أيديولوجية تحرّرية اشتراكية وشيوعية لدول العالم الثالث وبعض الدول الآسيوية والأفريقية وبالطبع دولنا العربية، لتستأثر بأحلام القاعدة الشعبية في أي بلد لرفع الظلم وتأمين الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي لها في خضم حرب إستراتيجية عالمية باردة بين القوى الكبرى: العالم الشيوعي (الاتحاد السوفيتي) والعالم الرأسمالي (الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بريطانيا وغيرها من الدول المتطوّرة التي فرضت نفسها على الساحة العالمية بعد الحرب العالمية الثانية كالهند والصين).

ونستعرض الآن بعض النماذج للثورات الانقلابية التي حدثت في عالمنا العربي والإسلامي: كيف نشأت ولماذا؟ وكيف تحوّلت إلى دكتاتوريات رغم مثالية عقائدها؟ ولماذا ثارت الشعوب عليها في يومنا هذا؟

نشوء الثورات القومية

 معظم الثورات نتجت عن القوميات، علمًا بأن الاختيار القومي يُعتبر من أضيق الاختيارات الحضارية للثورات، والتي نشأت عليها القوميات الفرنسية والبريطانية والأسبانية والإيطالية والألمانية تحت راية الحضارة الأوروبية، كذلك نشأت قوميات عربية وتركية وفارسية تحت راية الحضارة الإسلامية، ونشأت قوميات أخرى روسية وأوكرانية وصربية ورومانية وبلغارية تحت راية الحضارة السلافية، وبدأت القوميات الأوروبية بالإطاحة بالسيطرة الكنسية على شعوبها، كذلك الإطاحة بالإمبراطورية النمساوية والهنغارية، وتفككت الإمبراطورية العثمانية وكل الإمبراطوريات الاستعمارية من الأسبانية والبرتغالية والبريطانية والفرنسية، ومعظم هذه الثورات التحرّرية نشأت عن عدّة قوميات (الاتحاد السوفيتي)، وأخرى تأرجحت بين الدين والقومية (العالم العربي والإسلامي)، وتتمثل أهمّ أخطاء هذه الثورات في أن نشوء الدولة سبق نشوء الأمم من حيث ضرورة تنميتها السياسية وتأهيلها شعبيًا لفهم هذه العقائد باكتمال الوعي للتأقلم معها، وهذه معضلة حقيقية لمعرفة الشعوب لحقوقها ضمن عملية آلية بسياق تاريخي تتضمّن اختيارات لغوية وثقافية بعيدة عن لغة المستعمِر، واختيارات تاريخية وحدودية واقتصادية مستقبلية متطوّرة، ومثال ذلك:

اختلاط القوميات للدول العربية

- لبنان مثلا: بعد استقلاله عن فرنسا في عام 1943م كانت القومية العربية غالبة على تغيير أهمّ المواثيق التي تفرض وجوده، وهي تعديل الدستور بإعادة السيادة للغة العربية، واعتمادها كلغة رسمية تثبت قوميته العربية، كذلك في الجزائر وتونس والمغرب، تلك الشعوب التي كانت محتلة من المستعمر الفرنسي،عمدت هي أيضًا إلى تثبيت اللغة العربية كلغة قومية لها، رغم الموقع الجغرافي لتلك الدول (التوزيع الأفريقي- الأوروبي) الذي يفرض عليهم التحدّث بلغات تلك البلدان المجاورة بحكم انفتاحهم الاقتصادي والثقافي والسياسي عليهم.

- ومصر التي تتوزّع بين أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، وكذلك السودان التي تتوزّع بين أفريقيا السوداء والعالم العربي، وتركيا التي تتوزّع بين أوروبا والشرق الأوسط، وباكستان التي تتوزّع بين جنوبي شرق آسيا والشرق الأوسط، ومعظم هذه الدول تعيش حالة حدودية قلقة، ومنها مَن يعيش في حال خلاف وحروب مستنزفة ومتردّدة (الهند وباكستان، سوريا وتركيا، العراق وإيران، الجزائر والمغرب والتنازع مع ليبيا على صحراء البوليساريو).

هنا يأتي نشوء الأمم المختلطة قومياتها بالقوميات المجاورة لها أو المناهضة لها، وسنأخذ من بين هذه الثورات الناشئة عن قوميتها المختلطة، النموذج العربي المختلط عليه قوميته الدينية الإسلامية وقوميات خاصّة متعدّدة.

صراع القوميّات  العربية

على الرغم من تأرجح دول أوروبية كثيرة تحت نير قومياتها، رغم حداثة وتطوّر نهجها الدستوري الديمقراطي وحكمها الليبرالي، إلا أن القومية العامة والخاصّة استفحلت بصورة أوسع في أنظمة دول العالم الثالث وأمريكا الجنوبية والوسطى وأفريقيا ومناطقها الغربية والشرقية والشمالية، ثم إن القومية برزت أكثر في دولنا العربية التي أسّست لها (جامعة عربية) تتألف من 13 دولة مستقلة تجمعها قوميات عربية غير موحّدة.

وتنقسم الدول العربية إلى أنماط كثيرة في الحكم من جمهورية وملكية وحكم الحزب الواحد، وتتنازعها صراعات حزبية وقومية ودينية وإنسانية، وبين المركزية واللامركزية، وبين القومية الزمنية والثيوقراطية، ودول حكمها بين الاشتراكية والليبرالية السلفية، ودول تحكمها الديكتاتورية العسكرية لشخص الحزب الواحد، ودول تحيا بين الثورة والتطوّر وبين الجمهورية والملكية، كل هذه الصراعات والتنازعات للدول العربية تجمعها قضية واحدة تؤثر على علاقاتها مع بعضها البعض ومع الدول الكبرى والإقليمية، وهي قضية استرجاع الدولة الفلسطينية للشعب الفلسطيني من العدو الإسرائيلي المغتصب لفلسطين، والذي تدعمه وتحميه معظم الدول الكبرى، ومعضلة عدم استرجاعهم لفلسطين المحتلة منذ 60 سنة هو غلبة النزعة العاطفية والقومية العربية والدين الإسلامي الذي يجمعها بها، تلك النزعة التي تعمل على الرضوخ لأوامر الدول الكبرى، وذلك بسبب فقدانهم لأي نزعة عسكرية مجتمعة من أجل اجتثاث هذا السرطان من قلب العالم العربي لينصرفوا إلى تنمية بلادهم على أسس حضارية وتكوين اتحاد عربي قوي على غرار الاتحاد الأوروبي، إلا أننا رأينا نشوءً لقومية خليجية بتأسيس (مجلس التعاون الخليجي) البعيد عن الاتحاد العربي الجامع، حيث يعنى بأموره الخاصة فقط.

الاختيار الأيديولوجي لدول عربية

إن سبب ثورة الشعوب العربية هو المطالبة بحقها في استقلالها عن المستعمر، وحريتها وقوميتها العربية، وحفظ أمن بلادها، وحقها الإنساني في المجتمع من اكتفاء ذاتي، وحقها في حرية الرأي والعمل، تحقيق المساواة بين أفراد المجتمع، والعمل على تحقيق النمو الاقتصادي المتطوّر.

كل هذه الأهداف اجتاحت الشعوب قبل ثورتها لتحقيق كل هذه المطالب، وسنأخذ نموذجًا لهذه الدول العربية المستقلة منذ منتصف القرن العشرين: ماذا حققت من مطالبها؟ رغم تنوّع أنظمتها العقائدية واختلاف نهجها! وأين وصلت في عملية التغيير؟

لبنان

أعلن استقلال لبنان على أساس أيديولوجي ليبرالي وديمقراطي، ولكن غلب عليه توزيع السلطات على حساب التقسيم الطائفي كحصص لأكثرية كل طائفة، ممّا جعل هذا النظام الديمقراطي الحر يأخذ الطابع الديني الطائفي التقسيمي الذي أودى بالحياة السياسية الحرة إلى هاوية أطماع زعماء الطوائف، كل ذلك أدّى إلى حرب أهلية دامت عقودًا، وما زال أداء هذه الدولة ومؤسّساتها يغلب عليه الطابع الطائفي التقسيمي رغم ما يتحلّى به شعبه من نمو فكري وثقافي، ورغم تمتعه بالديمقراطية في حرية الرأي والإعلام، إلا أنه موجّه طائفيًا من دول عربية وأجنبية تدعم زعماء هذه الطوائف لإبقاء وطنهم في حالة تقسيمية، حتى لا ينسحب نجاح نظامه الليبرالي الحر على أنظمتهم، محدثاً تغييرًا جذريًا وثورة بين شعوبهم لينالوا النظام الحر، فهو يخضع الآن لخليط من النزعة الطائفية ومجموعة من الرأسماليين من زعماء الطوائف تحدّ من النمو الثقافي للشعب، رغم انفتاحه على الغرب وعولمته السبّاقة من الشعوب العربية الأخرى، ومعلوم أن تلك الصراعات الحزبية والدينية في داخل لبنان تؤثر على نموّه الاقتصادي وعلى لحاقه بالعالم المتحضّر، فعلى الرغم من ما يتمتع به لبنان من مؤهّلات علمية وفكرية، وإيمانه بالحرية الفردية التي لا تسمح لتحكم فئة على فئة أو السيطرة عليها أو محاولة إلغاء الآخر، إلا أن وحل الصراعات مازال يتوارثه الجيل الجديد، ورغم انفتاحه الاقتصادي الحر ومكانته الثقافية في العالم، وما يرضيه أنه شعب ديناميكي يخلق الفرص لمبدأ المبادرة الحرة القانوني، إلا أن انتماءاته الطائفية ونزاعاته الإقليمية واستئثار بعض الأحزاب الدينية بقرار الحرب والسلم تبعده عن التفكير بأولوياته الحياتية، من نهضة تنموية سياسية وثقافية واجتماعية وصحية واقتصادية وتربوية، تلك الأسس التي كانت من أهمّ أسس دستوره بعد استقلاله، فمتى يثور شعبه على هذا النظام الطائفي ويحدث تغييرًا حقيقيًا يتوافق مع متطلبات شبابه العصرية ويفصل الدين عن الدولة وينشئ دستورًا علمانيًا ينهض بالبلاد كما في تركيا لينافس بقدراته الدول المتحضّرة؟!

جمهورية مصر العربية

ثار الشعب المصري على المستعمِر البريطاني وعمل على إسقاط النظام الملكي العثماني، وطرد المحتل (1952م)، وعمدت ثورته إلى إنشاء نظام يحقق لها طموحاتها من حرية وعدل ومساواة ونمو اقتصادي يعمّ كل طبقات الشعب، لذا كان اختيار النظام الاشتراكي بارزًا في مرحلة الستينات، إذ طال دولا عربية متعدّدة لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وتأميم الشركات والمؤسّسات الخاصة ليعود ريع إنتاجيتها إلى الدولة وعدم احتكارها ولتقسيمها على الشعب فيما بعد بطرق متساوية تؤمّن الحياة الاجتماعية اللائقة لجميع الطبقات، فلقد كانت الغاية المنشودة من تلك الأنظمة التي كرّست بحركات ثورية وانقلابات عسكرية لسيطرة الحزب الاشتراكي الواحد في (مصر وسوريا واليمن والجزائر وتونس وليبيا) إلى إنهاء حالة التخلف في مجتمعاتها، ولكن الذي حدث هو عكس ذلك تمامًا، حيث تفرّدت تلك الأنظمة الاشتراكية المتنوّعة بعدم تطبيق الاشتراكية العلمية، بل لقد احتكرت كلّ مقدّرات الدول، وحكمت الشعوب عقودًا تحت فرض نظام التبعية والإفقار والإذلال لهم بحكم أمني مخابراتي للرضوخ لهم مدى الحياة.

تركيا

تعتبر تركيا نموذجًا حضاريًا لنظام الحكم الذي يجمع بين القومية والعلمانية والدين ويحاول أن يحافظ على وجهه الحضاري، فالدولة التركية رغم وقوعها الجغرافي بين أوروبا وآسيا، وتناقضها الفكري بين الحضارة التقليدية (فالمعتقد هو الديني الإسلامي) وقوميتها التركية، إلا أن نموّها السياسي المبكر، دفعها للاختيار الحضاري محافظة على دينها الإسلامي ولكن برؤية حضارية تشمل كل أفراد شعبها، لترتقي بهم من التخلف إلى النمو، ومن ثم إلى التطوّر المعاصر للدول الكبرى.

فبعد أن انتصر كمال أتاتورك في معاركه التحرّرية واستقلال بلاده، كان عليه أن يختار بين النظام الحضاري أو التقليدي لبلاده، فالشعب التركي شعب شرقي وإسلامي وعليه أن ينفتح اقتصاديًا على القارتين ليحقق نموًا اقتصاديًا وثقافيًا واجتماعيًا متوازناً لشعبه لينقذه من حالات الفقر والجوع التي خلفتها الحروب المستنزفة بعد أن هوت الإمبراطورية التركية، ليجعل تركيا في صفوف الدول المتقدّمة، هكذا توجّه كمال أتاتورك إلى شعبه محدّثا إياهم شبابًا ونساءً.

فعمل على فصل الدين عن الدولة دون منع ممارسة كل أفراد الشعب لمعتقدهم الإيماني الديني، وجعل اللغة التركية هي اللغة الرسمية مع تبديل الحروف العربية بحروف لاتينية تأكيدًا على قوميته التركية، وطلب من الشعب الانخراط بالحياة الاجتماعية الأوروبية دون المساس بقيمهم وتقاليدهم التركية، فحدّث قانون الأحوال الشخصية، وجعل المرأة مساوية للرجل في كل شؤون الدولة من تولي المناصب، وحرية الانتخاب، وحق الترشح، وتسلمها مراكز عالية في الدولة، كما عمل على التنشئة التربوية للأجيال على أسس حديثة، محاكيًا الغرب بحضارته، آخذاً بكل إيجابياته ومطبقاً لها دون الخوض في سلبياته، وبهذا جعل تركيا في صفوف الدول الكبرى والتي يُحسب لها حساب، دوليًا وإقليميًا، ودون أن يتأثر شعبه في نهجه الإسلامي من حيث العبادة والإيمان والتقوى!!

لذا فإن على كل الأنظمة العربية الحالية المتقدّمة منها والمتخلفة، وكذلك على الثورات الناشئة  والحديثة، أن تعمل على سلامة الديمقراطية ونجاحها وتحديدها بسلامة الانتخابات النزيهة وأسلوبها، وهذا يتوقف على الشعب: كيف يحكم نفسه بنفسه؟ ولا يتفرّد حزب واحد في الحكم، ولا شخص واحد مهما كان نظامه جمهوري أم ملكي أم أميري، حتى لا تتحوّل أوراق الاقتراع إلى رصاصات غادرة دفعًا لاقتراع حاكم الدولة أو الحزب، ولا يمكن أن نستورد الديمقراطية السياسية الغربية بل علينا أن نأخذ من الديمقراطية الأوروبية الحديثة ما يتوافق مع مجتمعاتنا، وذلك لاختلاف مفاهيم الديمقراطية لدى الشعوب العربية، مما تتناقض فيه أفكارنا من أيديولوجيات وعقائد دينية وقوميات وضغوط خارجية وعولمة.

كما أن علينا أن نستفيد من أخطاء الثورات التي أحدثتها تلك الأنظمة المستبدّة، وأن لا نستبدلها بأنظمة أخرى دكتاتورية لا تحقق لشعوبنا أي عدالة اجتماعية بل تبعدنا عن النهج الحضاري المتطوّر، وأن نكون نموذجًا حضاريًا ديمقراطيًا متطوّرًا لمجتمع مدني مثقف وغير تابع لأنظمة خارجية أو مستوردة، وعلينا أيضًا أن نحافظ على المدنية المتطوّرة والإيمان العقائدي معًا ليشمل التطوّر كل فئات الشعب، وأن نعمل كذلك على توزيع الثروات على كل فئات الشعب دون تمييز إرساءً لمبدأ العدالة الاجتماعية أولا وآخرًا، لأن الشعب هو محكمة العدل الإنسانية.