Get Adobe Flash player

الإســـلام يضــئ «غانا»

أفريقيا السوداء التي جذبت أطماع المستعمرين إليها بثروتها الماسية، فغزوها متحملين قساوة مناخها الحار، ومجاهل أدغالها، وتكاثر الأمراض فيها «حشرة التسي تسي» من أجل الاستحواذ على ثرواتها المعدنية من ذهب وفضة وأحجار كريمة من الزمرد والالماس والياقوت، وكانت غانا من أهم الدول التي استنزفوا ثرواتها لغناها بالذهب الذي اشتهرت به قديماً، ويعتقد أن التجار المسلمين أول من اطلقوا عليها تسمية غانا لغناها وثرائها بالثروات الزراعية والحيوانية والمائية والمعدنية ولازدهارها بمعدن الذهب، حيث عرفت قديماً بساحل الذهب، واسم «غانا» تطلقه القبائل الإفريقية على الملك وقائد الجيوش، وكان رئيسها الأول «كوامي أنكروما» من أطلق عليها اسم غانا رسمياً بعد استقلال بلاده عن المستعمر البريطاني في 1957م بعد استعمار دام ستين عاماً. وهي ثاني دولة أفريقية تنال استقلالها بعد ليبيريا التي استحقته قبل مئة عام! وتعرضت غانا لعدة انقلابات عسكرية بعد استقلالها رسميا في 1960م.

«غانا» ساحل الذهب
تقع غانا في القسم الغربي من القارة الأفريقية، ويحدها من الغرب ساحل العاج، ومن الشمال بوركينا فاسو، ومن الشرق دولة توجو، ومن الجنوب المحيط الأطلسي «خليج غينيا»، وتبلغ مساحتها 39 ألف ميل مربع «238.537كلم مربع»، ومناخها استوائي، عاصمتها أكرا وهي مطلة على المحيط الأطلسي، وكوماسي هي أهم مركز تجاري للدولة، وتمالي تعتبر العاصمة الادارية  وتقع  في الشمال. وتعداد سكانها حوالي 18 مليون ونصف ويتوزعون على الشكل الآتي: للمسيحيين نسبة 63%، والمسلمين نسبة 16-20%، والباقون ديانات متعددة )إحصاء عام 2000م(.
دخول الإسلام إلى غانا
تسكن غانا قبائل أفريقية من الفانتي، الشانتي ، الموسي )داجومبا(، الكوماسي، المامبروسي، والإيوي، واليوربا، وجماعات قدمت من شمال أفريقيا وهي الهوسة والفولاني، حيث تشكل جميعها سكان  أفريقيا الغربية، كما هاجر إلى غانا قبائل مجاورة، لذا تسودها اللهجات الأفريقية القبلية المتعددة إلى جانب اللغة الانكليزية الرسمية للبلاد والتي فرضها الاستعمار البريطاني على مدى ستة عقود، وقد نقل الاسلام إليها أيضا اللغة العربية حيث تعلم في مدارسهم الخاصة لنشر تعاليم الاسلام ولتحفيظ القرآن، خاصة في المناطق التي يسكنها المسلمين في شمال ووسط غانا.
وصل المسلمون الى غانا قبل ثلاثة عقود ونصف من البريطانيين، اي في اواخر القرن السادس عشر الميلادي وذلك عبر التجارة نسبة لموقع غانا التجاري والمطل على المحيط الاطلسي، ويعتمد على الملاحة في نقل وتسويق منتجاته الزراعية عبر الأنهر )نهر النيجر( فأرسى التجار المسلمون سفنهم على حوض النيجر وأسسوا مملكة لهم من قبائل الماندي التي أسلمت وهي الآتية من بلدة بوغو، وعرفت مملكتهم باسم مملكة «جونجا» وهي تقع في الجنوب من حوض النيجر وهي غنية بمنتجاتها من الغابات الكثيفة )الكاكاو، ونبتة الكولا وغيرها(، ثم انتقلت إلى الشمال الشرقي من غانا لنشر الاسلام بقيادة ملكها جاكابا وقد عاونه  في حروبه الزعيم  محمد الأبيض، إلا أن المملكة انقسمت بعد وفاة الملك بين ولديه، فعينوا أئمة من أولاد الزعيم ليدعموا مملكتيهما، وتمتع الاسلام بنفوذ سياسي كبير ضم إليهم مزيد من القبائل الأفريقية التي كانت تحيي الأعياد معهم في إحتفالات يغلب عليها الطابع الأفريقي، وما تزال بعض آثار مملكة جونجا قائمة إلى اليوم على أحد روافد نهر فولتا الأبيض في شمال شرقي غانا، موثقة بمخطوط مكتوب باللغة العربية عن تلك الفترة للمملكة، ويُظهر مستوى التعليم العالي والثقافي الذي وصلت اليه تلك القبائل المسلمة - )موجودة في معهد الدراسات الأفريقية في غانا(.
واصلت جماعات الماندي توسعها في الأراضي الأفريقية لنشر تعاليم الاسلام وساعدها بذلك معرفتها للغة الداجومبا الشهيرة والسائدة لدى معظم القبائل، فانتقلت إلى منطقة يندي دابارو وأسسوا مدينتهم التي تعرف ب «يندي» في القرن السابع عشر ميلادي، ونشروا عقيدة الاسلام في حوض فولتا الأبيض، وساعدهم على نشرها القبائل التي أسلمت على أيديهم وهي قبائل الداجومبا وبعض جماعات الهوسة.
كما نشطت حركة التجار المسلمين من قبائل الهوسة وبورنو في نشر الدعوة الاسلامية حتى أسلمت معظم قبائل الداجومبا، وفي القرن الثامن عشر ميلادي  زادت نسبة القبائل التي أقبلت على الاسلام واتخذته ديانة لها من قبائل المامبروسي، فعمّ الازدهار بين مناطق تلك القبائل، حيث تحولت مدينة جمباجا إلى مركز اسلامي وتجاري ونشطت تجارتها حتى حافة الغابات حيث الهضبة الوسطى في غانا وظهرت مراكز تجارية أخرى في بو، وباها وكافيا، وتأسست ممالك أخرى في شمال غرب غانا، وعرفت بممالك: «جونجا، داجومبا، ووه وغيرها من الممالك في وسط غانا في مدينة سلاجا، وكما دخلت الاسلام قبائل الأشانتي. وفي القرن التاسع عشر واصل المسلمون تقدمهم نحو الجنوب، وكان لهم حياتهم الدينية والاجتماعية والسياسية في مدينة كوماسي التي أصبحت مركزاً تجارياً مهماً وقد اعترف البريطانيون بازدهار تجارتهم وثقافتهم واحترموها إلا أنهم رغم احترامهم لزعيم الأشانتي حاربوه وهزموه طمعاً ببلاده وما تملكه من ثروات معدنية كالذهب والألماس والزراعية كشجرة الكاكاو ونبتة الكولا التي لاقت رواجا ً في بلادهم مما جذب البريطانيين لاستعمار أفريقيا فأغلقوا طريق التجارة بوجه سكانها الأصليين من القبائل الأفريقية في سلاجا، إلا أن التجار الأفارقة المسلمين نشطوا في حركتهم التجارية وانتقلوا جنوبا إلى كنتيامابو عبر نهر فولتا، ونشروا الاسلام بين قبائل الموسي وكوتو وكولي التي سعت لتبادل التجارة معهم  وأنشأوا مدينتهم على السواحل وتدعى كيتي، حتى أوقفهم البريطانيون نهائياً بعد بسط سلطتهم على كل غانا والدول المجاورة.
يقدر عدد المسلمين اليوم بأكثر من مليوني نسمة ومنهم من يبالغ بعددهم ليصل إلى ستة ملايين أي 40% من سكان البلاد، ولكن التعداد الرسمي  يؤكد أنهم  يشكلون نسبة 19-20%، ويتكونوا من مجموعة قبائل: الموسي، الجروشي، المامبروسي، الوابا، الأكان، الداجومبا، التوي، الفانتي، ولترما، اليوريا، الهوسة، الجورما، الكوثوكولي، السنغي، الفولاني، وأقليات بربرية وعربية مهاجرة، ويسكن معظمهم في الشمال والوسط، ويتمركز معظم المسلمين في المدن الرئيسية، وفي شرقي غانا في مدن ترفوريدواز، الكوكو، كيبي، أودا، كما تنتشر المساجد في معظم مدن غانا في الشمال والوسط.
المساجد في غانا
بنى المسلمون مئات المساجد في كل منطقة آمنت بعقيدتهم، مما ساهم في نشر تعاليمهم الاسلامية، كما بنوا إلى جانبها المدارس الاسلامية لتعليم القرآن، كذلك المراكز الاسلامية لإعانتهم ومساعدتهم في حياتهم الاجتماعية والاهتمام بشؤونهم التعليمية ومساعدتهم في جميع النواحي التي تحافظ على استمراريتهم ووجودهم في غانا وسط التبشير بالديانات الأخرى وإقبال بعض القبائل للانضمام إليها.
مسجد لارابانجا
بني مسجد لارابانجا على الطراز السوداني في القرن السابع عشر ميلادي، ويعد من أقدم ثمان  مساجد في غرب أفريقيا حتى أنه اعتبر محجاً للقبائل الاسلامية على غرار مكة في المملكة العربية السعودية  وهو مهدد بالانهيار رغم ترميمه عدة مرات كمئة مبنى أثري وديني قديم. يقع المسجد في بلدة صغيرة بالقرب من لارابانغا في منطقة دامونغو غرب غونغا من المنطقة الشمالية من غانا، حيث تبعد حوالي 10 أميال من  مجمع بارك الوطني و5 أميال من العاصمة  دامونغو، وقد بناه تاجر مسلم يدعى أيوب، وقد دفن تحت شجرة الباوباب المقدسة  بجانب المسجد وتظهر في الصورة إلى جانب المسجد  الذي بني من الطين الأبيض والقصب بمساحة 8 أمتار عرض وارتفاع 8 أمتار، وسقفه مخروطي الشكل كذلك مئذنته وأبراجه مثلثة الشكل إحداها مئذنة وأخرى تعلو المحراب الموجه نحو القبلة ودعمت بالأخشاب، وهو على غرار البيوت التقليدية الأفريقية من الطين والقصب لذا كان دائما معرضا للإنهيار بسبب الرياح والأمطار الاستوائية. ورمم في عام 1970 بخليط من الرمل والاسمنت إلا أن الرطوبة امتدت إليه لتتآكل جدرانه من جديد، كذلك غزو الحشرات )النمل الأبيض( لأساساته نخرت  دعائمه الخشبية وعرضته للتهلكة! فأعيد ترميمه في عام 2002 م مما أثر على هيكله الخارجي ولكنه حافظ على معالمه الطرازية الأفريقية- السودانية، رغم أن  العواصف كانت قد دمرت المحراب والمنبر في الداخل وجزءا كبيراً من صالته والمئذنة بعد ترميمه في السبعينيات، وقد استعان عالم الآثار «ووتش» بشركة فرنسية متخصصة بترميم الآثار، فاستبدلت المكونات الخشبية بمزيج قوي من الجص والطين والإسمنت بعد أن كان مبنياً من الطين والقصب، وأعادت بناء جدرانه وما هدم والمئذنة وحافظوا على شكله التراثي الخارجي مع قليل من التغيير لمواجهة العواصف والأمطار، وقد تم هذا بمنحة مالية من شركة الأميركان إكسبرس.
مسجد أبو بكر الصديق
يقع جامع أبو بكر الصديق في ضاحية إيبريم من ضواحي مدينة كوماسي في وسط دولة غانا وكان يعرف باسم إبريم، حتى أعادت بنائه وترميمه مؤسسة الشيخ عيد بن محمد آل ثاني الخيرية وأطلقت عليه اسم أبو بكر الصديق، وكانت مساحته لا تتعدى120 متر مربع ـ قبل  أن تضيف إليه مبان عدة لتصبح مساحته 660 متر مربع، كما أضيفت إليه مراكز تعليمية لتعليم القرآن ونشر تعاليم الاسلام للمناطق المجاورة له ولسكان منطقة أوتو كوجو في المنطقة الشرقية، ويتبعها عدة صالات لعقد المؤتمرات والاحتفال بالأعياد الدينية والوطنية، يقع في منطقة مكتظة بالسكان، مما يحثهم على التواصل الديني فيما بينهم حتى أصبح يشكل منارة للهداية إلى الدين الاسلامي، حيث يتسع المسجد لأكثر من 200 مصلي من الرجال والنساء، وهو مؤلف من دورين، وأرضيته مكسوة من الداخل ببلاط رخامي تعلوه أعمدة أعلاها مطلي باللون الأبيض وأسفلها باللون الأصفر ونوافذه واسعة ومشرقة للإضاءة، وتعلو أسقفه المراوح للتهوئة، وله مئذنة مؤلفة من طبقتين وترتفع لإعلان الصلاة ، ولونه زهري من الخارج.
جامع النور
يقع في مدينة سونياني ، وقد وهب أرضه الشيخ عبد الحميد منذ أكثر من ثلاثة عقود، وقد حفر بجانبه آبار مياه للوضوء والتطهر )بئر ارتوازي(، إلا أنه المسجد لم يشيد إلا في عام 2009 م حتى استكمل جمع المال لبنائه من المتبرعين والمتبرعات حيث بلغت تكلفة بنائه حوالي خمسين ألف دولار، وتبلغ مساحته 18 متر مربع طول وبعرض 13 متر مربع، هو شبيه بمسجد أبي بكر الصديق من حيث اللون الزهري والهندسة، ومؤلف أيضاً من دورين وشرفاته مزخرفة  بالجص الابيض وتعلو واجهته الأمامية جبهة مثلثة هرمية الشكل.
جامع الأحمدية
يقع في تامالي في غانا ، وهو شبيه بالقصر أكثر منه بالمسجد وهو يتسع لأكثر من 3 آلاف مصلي، له واجهتان متماثلتان في الهندسة وتعلوهما قبتان مذهبتان نصف دائرية، ومؤلفتان من ثلاثة أدوار تتخلل شرفتهما المقرنصات المنشارية البيضاء المسننة، وتتوسطهما قبة ذهبية لمبنى يتوسطهما ويشكل المدخل الرئيسي للمسجد، ويتمازج بين الطرز الأوروبية والعثمانية حيث تحيط بهما من كل ناحية مئذنة ترتفع بهامتها معلنة الصلاة، وهو مطلي باللون الأبيض، ويحتوي على عدة مرافق خدماتية وصحية، صالات لعقد المؤتمرات والندوات والتبشير بالإسلام، ومراكز تعليمية للدين الاسلامي والفقه، ومكتبة واسعة وكبيرة للمطالعة والدراسة، ومرفق صحي عيدي لمعاينة المرضى والاسعافات الأولية، وصالات لاستقبال كبار زعماء القبائل والسفراء والضيوف، وحضانة للأطفال، وغيرها من المرافق الضرورية لسكن العاملين والموظفين في المسجد من الإمام إلى الطلاب والمهاجرين واللاجئين وغيرهم، وأرضيته الداخلية مكسوة بالبلاط الرخامي الأبيض، وترتفع في داخله الأعمدة كشموع بيضاء متراصة تظلل الأقواس والقناطر التي ترفع القبب على أكتافها لتشكل محارة بيضاء لواجهة متلألأة بالنور المخترق لجدرانه من نوافذه العريضة والمتراصة التي تعلوها جبهات مثلثة، تزيد في تحليتها، إنه حقاً لمسجد رائع يهلل باستقبال المؤمنين المسلمين المتدفقين للصلاة في رحاب صالاته. ويعود لطائفة الأحمدية المسلمة.
وهناك العديد من المساجد الجميلة كجامع عمر المميز بقرميده الأزرق الذي يظلل جدرانه البيضاء، والمسجد الجامع والمركز الاسلامي في أكرا، وغيره من المساجد التي لا يسعنا وصفها في بحثنا هذا.