Get Adobe Flash player

ادارة الازمات الكبرى في ربيع عالمنا العربي

 

 

  من أكثر ما يعترضنا في عالمنا العربي هو الأزمات الطارئة، ومن أصعب معالجتها هو فقدان توازن أنظمتنا أمام هذه الأزمات ومعالجتها بالطرق التقليدية القديمة، أو الهرع إلى الدول الكبرى للإنابة عن نخبة كفاءاتنا البشرية لوضع الخطط والحلول البعيدة جدًا عن بيئتنا والتي تدخلهم في متاهة يصلوا في نهايتها إلى انهيارهم وسقوطهم، وتتحوّل الأزمة عندها إلى كارثة لا تحمد عقباها.

وقد اختلف تحديد الكوارث والأزمات باختلاف أنواعها، ولكن اتفق الجميع على أنها تحوُّل في المنطقة أو الدولة ينبئ بكارثة تحلّ على الجميع دون استثناء حتى تطال الدول المجاورة، إن كانت هذه الكوارث طبيعية، أو صناعية، أو حربية، أو سياسية، لذا يجب على كل دولة أن يكون لديها هيئة مختصّة على أعلى مستوى من الكفاءات البشرية الفكرية والعلمية لاحتواء الأزمات ومعالجتها على النحو المطلوب، وخاصة في مجتمعاتنا العربية والتي تمرّ الآن بعاصفة التغيير في الأنظمة، والتي تنتقل من بلد إلى بلد كـ «تسونامي الأعاصير» الذي لا ينبئ ببدء الإعصار، لهذا شهدنا سقوط أشدّ الأنظمة استبدادًا ودكتاتورية بعد أن كنّا نعتقد بأنها محصّنة داخليًا وخارجيًا، وهذا يستوجب على الدول ألا تغمض عينيها عن هذا التحوّل التاريخي، وتدرك- مقتنعة- بأن هناك تغييرٌ وأن عليها استدراكه بالطرق الحديثة وبما يخدم مصالحها ومصالح شعبها على المدى القريب والبعيد، خاصّة وأن العالم بات مفتوحًا وتحوّل إلى مدينة صغرى لا يمكن إخفاء الأحداث أو الحركات التحرّرية أو تجاهلها أو العيش بحياة مغلقة وانعزالية، إننا نعيش بعالم متّصل ببعضه البعض، لذا فإن على الدولة الاستعداد بوضع خطّة منظّمة لدراسة هذه الظاهرة الاجتماعية والسياسية والفكرية وأسبابها ومدى تطوّرها، خاصّة وأنها تتناول كلّ المنطقة العربية وتمتدّ إلى الإقليمية والدولية، وقد اتخذت عدّة دول تدابير أمنية عنيفة في مواجهة هذا التغيّر، ممّا أدّى إلى خسارة نفوذها وانهيارها وسقوطها بشدّة.

فلنرَ الأطر الصحيحة لمعالجة هذه الأزمة بالتحديد، ولنلقي الضوء على التعريف بها، هل هي أزمات تستحق الاهتمام واتخاذ التدابير اللازمة؟ أو أنها سحابة بركان هائج؟ وما هي الأزمة؟ وكيف تتحوّل إلى كارثة؟ وكيف تنتشر كالوباء المستعصي الذي لا يمكن إيقافه؟

علم الأزمات

CrisisManagementعلم الأزمات: هو من العلوم التي بدأت تأخذ أهمّيتها الكبرى في الدول المتقدّمة، وأدخل هذا العلم إلى المناهج التربوية للتدريس في المدارس عامة والجامعات المختصّة بهذا العلم، واعتُمدت في الكثير من المراكز التدريبية العملية البشرية للتعامل السريع مع الأزمات والكوارث وبفعالية ونجاح مؤكّد، كما عملت هذه الدول الكبرى (فرنسا، ألمانيا، أمريكا، اليابان، الصين، بريطانيا، ومعظم دول الاتحاد الأوروبي) على تأمين وسائل حديثة من تقنيات متطوّرة وحديثة لاستدراك مثل هذه الأزمات والتعامل معها قبل استفحالها ونموّها بشكل سلبي، دون السماح لأيّ ارتجال فردي أو سلطوي فئوي قد يخلق عقبات تزيد من حدّة هذه الأزمات والكوارث، مثل الأزمات المالية (2008-2011)، حوادث سبتمبر الإرهابية في أمريكا)، من خلال إنشاء هيئة عليا مختصّة بإدارة الأزمات والكوارث المفاجئة، تتعامل مباشرة مع مراكز استُحدثت لتوفير المعلومات المهمّة والصحيحة، وتقديمها للهيئة لدراستها وتحديد نوعيتها، وتقديمها أيضًا للخبراء المختصّين بالأزمة لدراستها ووضع الخطّة التنظيمية لوضع الحلول لها، حيث تبدأ أولاً بتحديد نوع الأزمة وكيفية محاصرتها والتغلّب عليها، بالطرق العلمية، والاجتماعية، والسياسية، والدبلوماسية، والنفسية، والمادية، والتقنية، والإدارية المختلفة، وتجنّب سلبيّاتها، والاستفادة من إيجابيّاتها.

وقد اعتُمد الكثير من الطرق لمعالجة الأزمات- حتى ولو بصورة مفتعلة- لتدارك تطوّرها، إلا أن المفاجأة أثبتت بأنها من أصعب الأزمات، وخاصّة إذا كانت الدولة تفتقد للإدارة اللازمة للأزمات الكبرى، ممّا يصعّب توزيع الأدوار، ويسمح بالارتجال الذي ينسحب بالأزمة نحو الفوضى التي توصل لكارثة محققة، وكذلك فإن فقدان المقدّرات المتطوّرة والآليات الحديثة والموارد المالية يصعّب من حلول الأزمة بالسرعة  المطلوبة.

مراحل تطوّر الأزمة

أولاً: نشأة الأزمة:

حيث تبدأ رياح الأزمة تلوح فى الأفق، إذ يفاجأ أصحاب القرار ويشعرون بالقلق، ويحصل الارتباك وعشوائية القرار فى هذه المرحلة، لافتقادهم للخبرة، فتفقدهم الأزمة رؤية مرتكزات نموّها والحلول الفورية الحديثة، من خلال تنفيس الأزمة ومحاولة تجميدها.

ثانيًا: تطوّر الأزمة:

 

وتتطوّر الأزمة بعد ظهورها الفوري بسبب عدم قدرة متخذي القرار على القضاء عليها من جذورها باحتوائها ومحاورة منفّذيها، لذلك تكبر الأزمة  بحيث لا يعود باستطاعتهم إنكار وجودها أو تجاهلها، ممّا يحتّم على صانعي القرار التدخّل الإيجابي لكبح جماح الأزمة وعدم تشعبها.

 

 

ثالثًا: تفاقم الأزمة:

ثمّ تقفز الأزمة إلى مرحلة  شعبية كبيرة بسبب عدم إدراك القائمين على حلّها لأبعاد تطوّرها، وتشبّثهم بعدم الحوار مع المطالبين بحقوقهم وتجاهلها، وذلك يعود إلى التفرّد الأحادي بالقرار أو هيمنة سلطة على سلطة داخل الحكم أو النظام، ممّا يُحدث شرخًا كبيرًا بين المطالبين بالإصلاح مثلاً وبين هيئة صنّاع القرار في الدولة، وهذا من شأنه أن يخلق تعاطفًا من  قوى المجتمع مع هذه المجموعات المطالبة بالتغيير الإصلاحي، ومن ثمّ تساندهم بالوقوف إلى جانبهم في الإعلام والنزول معهم إلى الساحات للتعبير أكثر عن رأيهم وحقوقهم، ممّا يدفع بالأزمة إلى التفلّت من يدي السلطة.

< وتُوجد عدّة أسباب لتطوّر هذا النوع من الأزمات:-

1- عدم صحّة المعلومات والإخباريات المغلوطة لتبرير عواملها وأسبابها، وعدم الخبرة في الحكم على الأحداث.

2- عدم وجود هيئة مختصّة بالأزمات، ممّا يؤدّي إلى سوء التخطيط والإدارة.

3- سوء أداء الجهات المختصّة والأمنية، خاصة من استخدام العنف الشديد تجاه المتظاهرين، ممّا يولّد تفاقم الأزمة واشتعالها.

4- البلبلة في صفوف السلطات الأمنية، وإلقاء اللوم على بعضهم البعض، ممّا يخلق أزمة أمنية تُضعف صانعي القرار من اتخاذ الحلّ الأمثل تحت ضغط الأزمة، أو تقلّل الثقة في اختياراته للمنفّذين للحلول.

5- عدم تناسق العمل مع الهيئات والسلطات المكلّفة، أو مع المسؤولين المكلفين في منظومة صنع القرار.

6- وصول الأحداث للإعلام المرئي والمسموع الفضائي ومواقع الاتصالات لكل العالم الخارجي.

7- بدء التدخّل الخارجي: ويظهر من تفاقم وضع حلّ للأزمة، فيخرج الحلّ عن نطاق المنطقة والداخل، ممّا يُحدث تغيّرات خارجية وداخلية تزيد في المؤثّرات  التي توسّع من رقعة الأزمة.

8- عدم الكفاءة بالخبراء القائمين على الإعلام الخارجي والداخلي في الاستخدام الأمثل للموارد المعلوماتية والاقتصادية والبشرية المتاحة.

أنواع الأزمات

< تنقسم الأزمات إلى ثلاثة أنواع رئيسية: (أزمات داخلية، وأزمات خارجية، وأزمات الصراع المسلّح والإرهاب الدولي).

أولا: الأزمات الداخلية:

وهى تعتبر من أخطر الأزمات التي تواجه أي دولة ما، لأن تلك الأزمات تمسّ كيانها الداخلى، وتهدّد أمنها القومى، وتؤدّى- بطريق غير مباشر- إلى وجود ما يسمّى بـ «استراتيجية الإسقاط من الداخل»، وهذه الأزمات تحدث نتيجة سعي الدول الخارجية إلى تحقيق مصالحها عن طريق غير مباشر عبر أدوات الدولة مستغلة طبيعة الظروف القائمة والمحيطة بالشعب.

وينقسم هذا النوع من الأزمات- بدوره- إلى عدّة أنواع: أزمات اجتماعية- سياسية- دينية- مالية- اقتصادية- فكرية، وينشأ عنها- بسبب أخطاء التعامل معها واحتوائها بالطرق الإيجابية- نوعان من الأزمات:

1-  أزمات ذات طابع عدائي:  مثل أعمال العنف أو الإرهاب أو التخريب.

2- أزمات ذات طابع كارثي: أي الكوارث المفاجئة، والتي تشكّل أزمات كبرى، مثل الكوارث الطبيعية التي تصيب البلد (كالفيضانات والأعاصير والزلازل والأوبئة والأمراض والحرائق في أنابيب النفط وتسرّبه إلى البحر حيث ينجم عنه تلوث بيئي وتسرّب للغاز، والتسمّم الغذائي، والتسرّب الإشعاعي النووي من دول مجاورة، والتلوث المناخي...إلخ)

ثانيًا: الأزمات الخارجية:

وهي الأزمات الناتجة عندما تسعى دولة مجاورة لعدّة دول متشاركة بالحدود والمياه الإقليمية إلى إحداث تغيير حادّ ومفاجئ في الوضع الدولى الراهن، مثل ما يحدث من تهديد بإغلاق مضيق هرمز (بين إيران ودول الخليج العربي)، ممّا يشكّل تهديدًا للأمن القومي لدولة أخرى يمكن أن ينتج عنه ردود أفعال قد تؤدّي إلى حدوث صراع مسلّح، مثل: تهديد دولة لدولة أخرى مجاورة طمعًا في ثرواتها المائية، أو في ثرواتها النفطية (العراق- الكويت)، ومثل: تعدّي بلد على آخر بالقوّة العسكرية (إسرائيل- سوريا، لبنان)، وهذا التهديد أو التعدّي قد يصاحبه حصار غذائي، أو تجاري، أو نفطي عبر المياه الإقليمية المشتركة، وقد يصاحبه دخول عناصر مخرّبة مسلّحة للبلاد للقيام بعمليات تفجير في المرافق الحيوية لها، أو الاغتيالات لشخصيّات مهمّة في الدولة.

ثالثاً: أزمات الصراع المسلّح والإرهاب الدولي:

وأزمات الصراع المسلّح تنشأ أثناء الحرب، وتكون ناتجة عن التغيّرات السريعة أو الحادّة في موقف أحد الجانبين، ومن أمثلة ذلك: دخول أو خروج طرف جديد في الصراع المسلّح، أو استخدام أسلحة جديدة ومتطوّرة ذات فاعلية عالية ولم تكن تستخدم من قبل.

أما أزمات الإرهاب الدولي، فهي تلك الأزمات الناتجة عن ممارسة الجماعات السياسية والحكومات للتأثير على خصومها لتحقيق أهداف سياسية كبديل للحرب التقليدية، إذ إنها أكثر حركة وأكثر قوّة، ويشكّل أثر الإرهاب أزمة فعلية، حيث تتمكّن المجموعات الإرهابية من المساومة على القيم السياسية والمادية للمجتمعات والتأثير على مصالحها القومية.

أهمّ ما يحدث في العالم العربي من أزمات

وأهمّ ما يحدث في عالمنا العربي من أزمات هي ظاهرة الثورات العربية، والتي افتقدها الشارع العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولم يحدث تغييرًا في تلك الدول إلا بانقلابات عسكرية وتسلّم الحزب الواحد السلطة لتتحوّل إلى دكتاتورية الحزب، أو انتقلت بعد الاستعمار إلى إمارات وممالك عربية.

< كيفية معالجة هذه الأزمة أو عملية التغيير بصورة إيجابية:

إن أهمّ ما في عملية المعالجة هي التنظيم بين الإدارات والمراكز، وتحديد الأولويات الفعّالة باتخاذ القرارات:

التخطيط لإدارة الأزمات: يكون من خلال إنشاء هيئة عليا لاحتواء الأزمات تكون سلطتها تنفيذية، وتأخذ أوامرها من رئيس البلاد، ويخضع لهذه الهيئة كلّ رؤساء الهيئات الأمنية والإدارية في الدولة، وتتشكّل هذه الهيئة من علماء وخبراء في علم السياسة والاجتماع والفكر والطب وعلم النفس، ومن خبراء عسكريين وأمنيّين ومتخصّصين في أجهزة الاتصالات والمعلوماتية والأمور التربوية والقانونية والدستورية، ومن خبراء ميدانيّين في معالجة أنواع الشغب والاضطرابات دون اللجوء لأي عنف مهما تطلّب الأمر، حيث تدرس هذه الهيئة كلّ الدراسات أو التقارير التي تقدّم لها من المراكز التي أُنشئت للمساعدة في احتواء الأزمة، والتي تكون منتشرة في كلّ المناطق الصغيرة والكبيرة لتشمل كل البلاد.

وتتمثّل مهمّة هذه الهيئة في: دراسة مطالب المتظاهرين الأساسيّين والمسبّبين المباشرين لهذه الأزمة من مظاهرات شعبية واضطرابات وذلك على وجه السرعة، ثمّ تقديم الحلول ليوافق عليها رئيس الهيئة ورئيس البلاد أو حاكمها، وبعد الموافقة تصبح قيد التنفيذ وتعمّم الإجراءات المطلوبة على جميع الأجهزة الإدارية والأمنية المكلّفة بتنظيم العملية لاحتواء الأزمة والتي تهدف إلى تحقيق أقصى كفاءة ممكنة في توجيه الإمكانيات والموارد المتاحة، من تقنيّات حديثة ومتطوّرة للتعامل الفعّال مع المفاجئات المحتملة ومواجهتها في جميع مراحلها، من مواقف طارئة غير مخطّط لها من تشابك المعترضين مع القوى الأمنية أو الهيئة الميدانية المكلّفة بحلّ الأمور التي قد تصاحب الأزمة، والتخفيف من آثارها للعمل على ما يخدم الصالح العام ولتحقيق المصالح القومية للدولة والشعب.

فالتخطيط هو العامل الأساسي لنجاح عملية إدارة الأزمات، حيث يساهم التخطيط الجيّد في منع حدوث أزمة، وتلافى عنصر المفاجآت وتوجيهها المصاحب لها، كما أن التخطيط يتيح لفريق العمل بإدارة الأزمات القدرة على إجراء ردّ فعل منظّم وفعّال لمواجهة وإدارة الأزمة بكفاءة عالية.

ويجب أن يعتمد التخطيط على:-

1- التأكّد من المعلومات والتقارير الصحيحة للمخبرين في المراكز الجديدة، والتي يكون عناصرها محايدين من خارج الأجهزة الأمنية أو المخابراتية التابعة للدولة، ودراسة الخلفية التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمسؤولين عن الأزمة، ومقارنتها مع بيانات تاريخية عن أزمات مماثلة حدثت في دول أخرى لها نفس الظروف ونفس النظام السياسي.

2- معرفة الأسباب وماهية المطالب ودراستها والبتّ بأمرها على وجه السرعة حتى لا تتطوّر الأمور إلى اضطرابات تشمل كلّ المناطق.

3- دراسة الأهداف والمصالح المشتركة في الأزمة ومدى شرعيّتها وتأثيرها على المصلحة العامة.

4- دراسة إمكانية وقدرات الأطراف التي تطالب بالإصلاحات مهما كان نوعها، عقائدية أو سياسية أو معيشية أو اقتصادية أو دينية، ومدى فاعليتها لتحقيق الهدف.

5- معرفة المراكز الاجتماعية والاتجاهات العقائدية والدينية لقادة أو قيادات الأطراف، ومعرفة ما إذا كانوا ينتمون لأي حزب أو دولة خارجية أو لا ينتمون؟، وذلك حتى يسهل حلّ الأمور وتلبية مطالبهم بالسرعة القصوى، مهمّا تكبّدت خزينة الدولة من أموال، حتى لا تُخترق أو تتحوّل إلى دينية أو سياسية، وخاصّة إذا كانت الدولة ذات موقع استراتيجي، أو تناظر العداء للدول المجاورة، أو تحظى بثروات نفطية هائلة وتكون مطمعًا للخارج.

6- أن تأخذ الهيئة التنظيمية أيّ مطلب على محمل الجدّ، ولا تتجاهل الأمر أو تخفيه، ويجب أن تعلم أن هناك تغييرًا قائمًا في المنطقة، وتنظر بحكمة لما حلّ بالدول التي انهارت وسقط نظامها قبلها، ولا تقترف ما اقترفته من أخطاء، وأن تتعلّم منها التصرّف بإيجابية حتى لا تفقد زمام الأمور.

7- منع استخدام الطرق التقليدية: وهي استخدام العنف بكل أشكاله، بحيث يكون أوّل قرار يصدر عن الهيئة- بعد دراسة كلّ الفعاليات التي حدثت على الأرض، وتقرير الخبراء الشاملين لكلّ الميادين- ألا تتّبع أي طريق من الطرق التقليدية السابقة التي استخدمتها الأنظمة المنهارة، أو التي هي على وشك الانهيار، مهما كانت نوعية الاضطرابات متقاربة.

8- استخدام الطرق غير التقليدية والتي تتمثل في:-

- مراقبة المجموعات عن كثب ضمن انخراط مجموعة الشباب المثقّف بينهم لاستيعاب مطالبهم وفهمها بشكل موضوعي، لتقدّم تقريرًا محايدًا تشرح فيه الأهداف الحقيقية لهذه المجموعات، وتبلّغ عن الأشخاص المندسّة والتي تعمل على تأليب المعارضة على الدولة لاستخدام العنف وأعمال الشغب ضدّ المؤسّسات الإدارية والمرافق الحيوية.

- استخدام تقنية الاتصالات والتواصل الاجتماعي لمعرفة الجهات التي تدعمهم إذا كانت محلية أو إقليمية أو خارجية ومعرفة أهدافها الحقيقية.

- الدعوة فورًا- بعد جمع المعلومات- إلى الجلوس على طاولة الحوار للمفاوضات على مطالبهم الإصلاحية بعد تنفيذ بعض المطالب الإصلاحية على وجه السرعة، ليؤكّدوا جدّيّة التحاور والعمل على مصلحة البلاد القومية، على أن يكون التحاور مكشوفًا منعًا للتدخّلات الأجنبية أو أي عوامل خارجية قد تحيد عن هدف الأزمة وتشعبها.

- الإعلام وحرّيّة الرأي، وعدم التعتيم الإعلامي.

- عدم إنكار وجود الأزمة والتعامل معها بأعلى درجات الجدّيّة.

-عامل الوقت مهمّ جدًا، بأن لا تطول الأزمة حتى لا تحيد عن مسارها الأصلي، فتأخذ منحى الضبابية، وتفسد الأمور الإصلاحية.

- عدم استخدام العنف مهما كان، ولو بالعصي والقنابل المسيلة للدموع، لأن هذا يخلق تعاطفًا شعبيًا مع المتظاهرين، ومن ثمّ تتّسع رقعة الاضطرابات في المناطق ويصعب حصرها، أمّا العنف المدمّر والقاتل فقد يأخذ مطالب المتظاهرين إلى حدّة أكثر، وقد ينقلها للخارج، ممّا يسمح للتدخّل الخارجي العسكري لإيقاف العنف، وخاصة إذا كان من الطرفين أو من طرف واحد، أو يسمح بدخول قوّات دولية عبر مجلس الأمن أو هيئة الأمم المتحدة للفصل بين المتنازعين أو تغيير السلطة بالقوّة، إذا استُخدمت آلات القتل المدمّرة بشكل إبادة جماعية لهم للنساء والشيوخ والأطفال.

- دعوة الهيئة التنظيمية والأحزاب الوطنية باختلاف انتماءاتها- إذا كان هناك أحزاب- أو المجموعات المعارضة، عندما ترى أن الأمور بدأت تأخذ منحىً آخر ومختلف عن المطالب الأولى (منحى ديني، أو عقائدي، أو سياسي، أو إرهابي)،  ويكون الحوار علنيًا على الفضائيات المرئية والمسموعة.

- حظر وجود المظاهر العسكرية على أطراف المنطقة المهدّدة للدولة، في حال استخدمت العنف، والعمل على عدم تبادل العنف معها، بل محاصرتها وقطع الموارد المائية والكهربائية والاتصالية والغذائية عنها، في حال إذا ما كانت تلك المجموعات إرهابية وليس لها مطالب غير الفوضى وهذا مستبعد.

- أن لا تستخدم الدولة بروباغندا إعلامية عنوانها أن المتظاهرين من شعبها هم مجموعات إرهابية، ممّا يُفقدها ويُفقد الحوار معها المصداقية بين الدول، ولتعلم بأنها في عالم مفتوح ومراقب بالأقمار الصناعية، فلا تستطيع أن تستخدم الطرق التقليدية القديمة الهشّة، فتجعل المجموعات المعارضة أقوى وأمضى  في المطالبة بمطالبها حتى لو ضحّت بدمائها.

- عدم استخدام الهيئة لجهة ضدّ جهة أخرى من الشعب في محاولة لتنفيس الأزمة، فهذه طريقة تقليدية قد تُحدث فتنة أهلية دينية أو عرقية تجرّها نحو الفوضى والتدخّل الأجنبي بأمورها، ومن ثمّ تفقد السيطرة على الجهتين، خاصّة إذا تبنّت الجهة أو التيّار الديني، فهذا يعطيه الأطماع بالسيطرة على النظام في حال إذا ما قضى على مطالب العلمانيين أو الهيئات الشعبية التي تطالب بإصلاحات دستورية تختصّ بتطوّرها الحضاري، من تأمين العمل، والاكتفاء الذاتي، والعمل على تحسين أوضاعهم الاقتصادية والتعليمية.

- على الهيئة استخدام الطريقة الديمقراطية بالتفاوض، خصوصًا بعد أن أصبح لديها كلّ المعطيات لأسباب الأزمة، والتعامل معها بالحوار والتنفيذ الإصلاحي الفعلي وليس الورقي أو الإعلاني، ويجب أن تتبع الطرق الحديثة التي تُستخدم اليوم في كلّ الدول المتقدّمة، والتي تراعي بأن المعارضين والمطالبين بحقوقهم على مستوى من الذكاء الفارق الذي يعرف كلّ أساليبها القديمة ومحتاط له، بل هو متقدّم على دولته تكنولوجيًا وعلميًا، لذا كان من الضروري جدًا وجود الخبراء من ذوي الكفاءات العالية ليكوِنوا أعضاء الهيئة التنظيمية.

- وضع خطّة مرحلية بعد الوصول إلى اتفاق مع المعارضة للتنفيذ، وهي من أهمّ الشروط لاحتواء أكبر الأزمات مهما كانت اتجاهاتها كارثية، فهذا هو الحلّ الوحيد، حتى لو كان أحد أطراف المعارضة متشبّثاً وعنيفًا في التحاور، فإن الاستعداد للتنفيذ يحوّل عنفه أو يكشفه أمام رفاقه المعارضين، وبذلك يكون هذا سلاحًا قويًا في يد الدولة لتتحكّم في أمور الإصلاحات بما يخدم مصالحها ومصالح الشعب ككلّ، أمّا إذا لم تنفّذ الدولة- بهيئتها التنظيمية لاحتواء الأزمات- هذه الشروط، أو لم تخُض هذه المراحل، فإنها ستبشّر نفسها بالسقوط والانهيار مهما أطالت الأزمة، بل إنها بذلك تدفع مطالب المعارضين لاحتوائها من قِبل تيّارات سياسية ودينية متطرّفة تأخذ البلاد نحو المجهول والدمار.