Get Adobe Flash player

إسبانيا... إندمج فيها التاريخ


هي بلاد الأندلس.. هي غرناطة.. قرطبة.. طليطلة.. وغيرها من المدن التي تربع على عروشها ملوك وسلاطين الإسلام لحقبة من الزمن.. فحصّنوها بالقلاع الشامخة والقصور المميزة.. والمساجد الجليلة حتى أشرقت شمساً تذهل القادم إليها لتحلو في عيون الطامعين والطامحين والحالمين.. إلى أن هزّها الشقاق بين الأمة الواحدة فتصدّعت ركائزها وإنهارت مدينة تلو الأخرى.. وسقطت في أيدي الإسبان الشعب الحالم الذي اكتشف رحاّلته كريستوف كولومبس القارة الجديدة أميركا.. فغزتها ملوكه حتى أصبحت مرسى للحضارة.. وأعادت بلاد الأندلس تحت جناحيها ولكن بقسوة المستبد وليس المبشر لديانة المحبة والسلام، فحاكموا كل الأديان واضطهدوها عبر محكمة التفتيش ودمّروا ما استطاعوا من معالمها، رغم تدخل أعظم ملوك الغرب وسلاطين الشرق لحقن الدماء، إلا أن الحقد الجاهل يعمي الأبصار ويهدم أهم الحضارات بما فيها من عبقريات هندسية ومعمارية.. وحرق أهم المكتبات التي تزخر بالمخطوطات والترجمات للفلسفة والعلوم والأدب، ولم تتوقف تلك الهمجية إلا في القرن التاسع عشر حتى ترأسها حاكم واعي استطاع إنهائها، وعمل من أجل الحفاظ على ما تبقى من مساجدها المميزة محولاًّ بعضها لكنائس بسبب شموخها وندرة زخارفها الإبداعية.. ،كما حوّل قصورها إلى متاحف سياحية يقصدها العالم والمثقف والمؤمن ليشهد على تميز حضارة الأندلس.

وصول الإسلام إلى غرناطة
بدأت الحملات الإسلامية لفتح بلاد الأندلس منذ بدء الفتوحات الاسلامية، واستطاعوا في أوائل القرن الثامن )711م( من التوغل في قسم كبير من جزيرة إيبيريا الاسبانية الواقعة بين جبال البرانس وشمال شرق فرنسا والمحيط الاطلنطي والبرتغال من الغرب، وتطل على البحر المتوسط من الشرق والجنوب،و على خليج بسكاي من الشمال، ومن الجنوب جبل طارق والمغرب العربي، ويعتبر مضيق طارق الفاصل بين الاطلنطي والمتوسط، وسمي باسم طارق بن زياد أول عابريه في 711 م وعرف أيضاً بأعمدة هرقل التي انحجبت وراءها قارة اتلانتيس التي ذكرها أفلاطون.. هي مدينة العجائب والغرائب.. استوطنها المسلمون )الأمويون، والعباسيون، المرابطون، الفاطميون من دولة الموحدين، ثم الأندلسيون( وحوّلوها إلى جنة خضراء بعد ثلاثين عاماً أتمّوا خلالها السيطرة على الجزيرة بأكملها وصولاّ إلى الجنوب الفرنسي، وزرعوها على شكل مدرّجات، ومدّوا شبكات الري بطرق هندسية فريدة من نوعها فأنتجوا المحاصيل الزراعية الجديدة والمتنوعة، كما بنوا القصور والقلاع والحصون والمكتبات والحمامات والمدارس والمساجد وزخرت جميعها بأرقى الزخارف والفنون الهندسية المبدعة التي حولت أيبيريا من مجرد جزيرة إلى أرقى المدن الحضارية وهي غرناطة، واستمرت في بنائها العمراني المميز على مدى سبع قرون، حتى سقطت في يد الاسبان بعد معاهدة فرديناند وإيزابيلا المشؤومة 1492م، والتي نقضت عهدها بعدم طردهم وبدأت حينها محكمة التفتيش بقتل كل المتدينين لغير الدين المسيحي الكاثوليكي، من اليهود والمسلمين وطاردتهم وقتلتهم على مدى ثلاثة قرون، مما اضطرهم للهجرة إلى بلاد المغرب العربي حتى دخول القرن الثامن عشر، الذي منع اضطهاد الأديان الأخرى وسمحوا لها بممارسة حرية المعتقد ووجودها إلى جانب المسيحيين تحت سقف القانون. كما تمرد الموريسكيون )وهم من الشعوب التي تخفت ومارست شعائر ديانتها بالسر ولم ترضى بتغيير دينها أو الانضمام للدين المسيحي( على الإسبان ومحكمتهم التفتيشية على مدى قرن منذ 1568م حتى طردوهم من بلادهم في عام 1610م.
الإسلام اليوم في إسبانيا
يبلغ عدد سكان اسبانيا اليوم 48 مليون نسمة ومعظمهم من الكاثوليك أي 94%، ويشكل المسلمون 2.5 من 6% من مختلف الطوائف الأخرى، ويبلغ عددهم حوالي مليون وستمائة ألف مسلم اسباني تقريباً من بينهم 700 ألف مسلم من أصل مغربي، ويشكل المسلمون من اصل اسباني حوالي نصف مليون، والباقي من المهاجرين أي حوالي مليون مسلم مع المغاربة، وحوالي خمسين ألف من الباكستانيين، ويأتي بعدهم السنغاليين والجزائريين ويتوزعون على عدة مدن أهمها برشلونة ومدريد )250 ألف مسلم( وفالنسيا )176ألف مسلم(، وكتالونيا )450 ألف مسلم(، الأندلس )266 ألف مسلم(، وتوزع الباقون على معظم المدن مثل )كانارياس،كانتابيرا، ويستورباس، مورثيا، كاستيا لا مانشا(. وقد جاءوا إلى مدريد في منتصف القرن العشرين في 1976م كعمال ومعظمهم من المغرب العربي، كما أتوا قصداً للعلم، وبعد صدور قانون حرية الأديان الذي يسمح للجميع بممارسة شعائرهم الدينية تحت سقف القانون الاسباني أي دون أن يتعرضوا لحرية معتقد الآخر أو التبشير او الهداية بالقوة أو الاصرار أو مبدا الترغيب والترهيب.
المساجد الإسلامية
وصلت المساجد الاسلامية إلى ما يفوق 1177 مسجد ومركز اسلامي يتوزعون على كافة المدن والجزر الاسبانية. وبلغ عدد المراكز الاسلامية 50 مركزا وكان أهمهم:
المركز الاسلامي الاسباني، الجمعية الاسلامية في إشبيلية، الجمعية الاسلامية في غرناطة، المفوضية الاسلامية في اسبانيا، جمعية المسلمين الاسبان في غرناطة، كما أنشأت مدارس تهتم بتعليم العلوم الاسلامية واللغة العربية والإسبانية والقرآن الكريم، والمعهد العربي للدراسات الأكاديمية، والمعهد الاسباني العربي للثقافة في مدريد وغيرها من المراكز التعليمية والثقافية باللغتين العربية والإسبانية لاستقطاب عدد كبير من الطلاب والمهتمين بدراسة التعاليم الإسلامية واتخاذها ديناً له!.
أهم المساجد الأثرية في اسبانيا
جامع قرطبة:

وباب المردو ، وطليطلة، وقصر الحمرا ، مسجد ترنريانس، ومئات المساجد المتوزعة على كافة الأراضي الاسبانية.
جامع قرطبة: تميز جامع قرطبة بصفوف الأقواس المقلمة بالأبيض والذهبي أو البني المذهب والأعمدة الرخامية المتراقصة تحتها وكأنها تحتفل بقدوم المؤمنين، إذ تبلغ 10 صفوف من الأقواس لإحدى عشر رواق مقسم كل منها إلى 12 قوس، تحملها الأعمدة الرخامية الممتدة عموديا على الجدار الخلفي لتحمل طبقتين من الأقواس، يخالها الناظر إليها وكأنها هالات متعاقبة ومتداخلة لتزيد مدخل الأروقة خشوعاً ورهبة، وتشكل هذه الصفوف السفلية شكل حدوة الفرس، بينما العلوية تأخذ شكل نصف الدائرة، وتبسط أعلاها سقفاً بارتفاع 9.8 أمتار عن الأرضية، وترفع فوقها إحدى عشر سقفا جمالونياً متوازياً، مغلفة جميعها بالرصاص، وتحمل بينها أقنية عميقة، أما الحرم فيبلغ عرضه 73.5 مترا وعمقه 8.36 مترا، وينفتح على الصحن الكبير والذي يبلغ عرضه 73.21 مترا وعمقه 60.7مترا، عبر إحدى عشر قوس على شكل حدوة الحصان مرتكزة على عضائد على شكل حرف )ت باللاتينية(، ويدخل إليه عبر الباب الشمالي المطل على الجهة الشمالية الجنوبية، وباب غربي متقابل مع الباب الغربي، وباب رئيسي يعرف اليوم بعد أن تحول الجامع إلى كاتدرائية بالباب «بوير تادي سان استبيان» كما تدعم الحرم ثلاثة دعائم من جهة الشرق والغرب، ودعامتان ركنيتان، وعشر دعائم بعلو 1.5 متر في الجهة الجنوبية لتمنع صفوف الأقواس من السقوط فتدعمها وتخفف من قوة ضغطها، إذ بلغت سماكة الجدران 1.14 مترا، أما الصحن فلم تحيط به الأروقة.
أما المحراب فكانت تعلوه قنطرة ويتوزع أعلاها عدة زخارف على شكل قناطر صغيرة مزخرفة، فعبق معظمه بالزخارف والكتابات من الآيات القرآنية «الآية السادسة من سورة السجدة: ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم» والآية 23 من سورة الحشر:«هو الله لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يحشرون»، وبعض الكتابات التي شوهت بحيث لا يستطيع أحد قراءتها، ومنها «موقف الإمام المستنصر بالله عبدالله الحكم».
وكانت قبة الجامع تعتبر من أجمل وأروع الفنون الهندسية تتداخلها في أعلاها من الداخل المقرنصات التي تعلو الأقواس المتداخلة لتعلو حول القبة المستديرة كوردة اينعت وفتحت وريقاتها، حيث تعلو سقف القبة زهرة متعددة الأوراق لتتشابك بها الأضلاع الهندسية وكأنها خيوط حريرية لفراشة تبعث الأنوار من النوافذ الصغيرة المحيطة بالقبة موزعة النورعلى جميع أركان المسجد ليشع على الجموع المصلية قاطبة.
أما الهندسة اللافتة فكانت في مد القنوات المائية وإيصالها إلى المسجد من سفح جبل العروس قرب قرطبة، إلى السقايات والميضآت التي شيدت من أجل الوضوء، كما أنشأ «الحكم المستنصر» عددا من المقصورات غربي الجامع عرفت ب «دار الصدقة» وذلك لتوزيع الصدقات، كما تخللت جدران المسجد بلاطات من الفسيفساء باللون الأزرق النيلي وعليها كتابات قرآنية، وكان باب القضاء المتفرع من باحة المسجد العابقة بأشجار البرتقال والتي ما زالت ليومنا هذا، حيث يعتبر الباب المزخرف من أروع مداخل حرم الجامع، أما مئذنته الشامخة والمرتفعة بخمس طبقات مربعة، تحيط بها الآن جدران مربعة تحتضن الجرس الكنائسي لإعلان الصلاة للمؤمنين المسيحيين بدل رفع الآذان الذي كان يرفع أيضاً لصلاة المسلمين.
وأمام هذه العظمة من الهندسة والفنون الزخرفية لجامع قرطبة أبى الملك أن يهدمه فحوله إلى كاتدرائية للصلاة محافظا على كل الآيات القرآنية بداخله مزيدا عليها الأيقونات المسيحية لتتداخل بمحاكاة للمحبة عصا عنها التاريخ، إلا أن الفن استطاع جمعها وتوحيدها تحت سقف واحد يجمع بين الفنون الزخرفية المسلمة والمسيحية، ليزداد المسجد عظمة وتمجيداً للخالق الواحد للجميع.
مسجد ترنرياس:
تعتبر طليطلة من أقدم المدن التي وطأها المسلمون اثناء فتحهم لبلاد الأندلس في عام 711م، وبنوا فيها جامع عرف بجامع طليطلة، إلا أنه حول إلى كنيسة ولم يتبق منه سوى أنقاض، أما مسجد ترنرياس الذي بني في أوائل القرن 11م وفي مدينة طليطلة العريقة بهندستها ومعالمها الإسلامية، يظهر الجامع في شارع ترنريانس ويعتبر من أقدم الطرز الاسلامية لطليطلة وهو مؤلف من طابقين، الطابق العلوي تعلوه قبة مركزية وتحمل نقوش هندسية وتحيط بها تسع قباب صغيرة تعلو قاعة الصلاة المقسمة إلى تسعة فضاءات تحملها أعمدة غاية في الأناقة والصلابة تتصل عبر بعضها بأقواس حدوية الشكل وهي طراز أندلسي عريق يعرف ب حدوة الحصان، وهو شبيه بمسجد باب المردوم الذي يبعد عنه أمتار قليلة، وهو أقدم جامع أثري في طليطلة ويعتقد أن الطابق الأرضي شيد على أنقاض معبد روماني قديم، وقد بني عليه نظام هندسي لجر المياه، تعرض للإهمال بعد سيطرة الاسبان، ولم يكتشف أنه مسجد إلا في أوائل القرن العشرين عام 1905م على يد المركيز تورسيلا الذي أمر بالبحث عن مكان تواجده، وحوِّل الآن إلى مركز ومتحف لتطوير الصناعة اليدوية.
مسجد باب المردوم:
وهو شبيه بجامع ترنريانس من حيث الطراز القوطي– الأندلسي وهو أقواس حدوة الحصان والقبة المركزية، بني في طليطلة في القرن العاشر ميلادي سنة 999م، ولكنه حول إلى كنيسة كمعظم المساجد القديمة والتي تحفل بعبقرية هندسية وزخرفات هندسية ابداعية وغاية في الجمال، وذلك في سنة 1085م وسميت الكنيسة نور المسيح، والمسجد بني على شكل هندسي مربع ومقسم إلى ثلاث أروقة 60.7 أمتار * ب 74.7 أمتار وتعلوها أربع صفوف من الأقواس الحدوية ترتفع عليها قبة وسطية تعد المركز لوسط الجامع وتحملها أربع أعمدة صلبة، و تعلو القبة الكبرى على القبب الصغيرة المزودة بنوافذ صغيرة وجانبية لتوزع الأنوار داخل المسجد وفي كل زواياها، وللمسجد ثلاثة مداخل، لكل مدخل ثلاثة ابواب مزخرفة، والمدخل الثاني تلاقيه سلسلة من الأقواس الحدوية المتعانقة بشكل هندسي، والمدخل الثالث مكون من مشربية مبنية من حجر الآجر، يعلوها بلاطة نقش عليها بالخط الكوفي سنة بنائه وبعض الكتابات،  وهي «أقيم هذا المسجد على يد موسى بن علي وسعادة أحمد بن حديدي» في محرّم، ويعتبر هذا المسجد من أجمل الهندسة العمرانية الأموية، فأعناق الأعمدة مزينة باحة الصلاة بأقواس متعانقة وكأنها تقيم كورسا احتفاليا، بينما أعمدة المحراب هي من الرخام المرمري الملون، وقد حول أيضا إلى كنيسة!.
قصر الحمراء:
عرف بهندسته الفريدة من نوعه وحول إلى كنيسة تعرف الآن بكاتدرائية سانتا ماريا الحمراء،، وهذا المسجد شيده السلطان محمد الثالث، واعتبر من أفخم مساجد غرناطة رغم صغر مساحته، ويحفل الآن بأجمل الأيقونات المسيحية ولوحات أهم الفنانين الإسبان والتي رسمها «خوان لوبينا» وهي من أضخم اللوحات، كذلك تمثال صلب المسيح والذي نحته ألونسو دي، وغيرت واجهة المسجد وبني مكانها واجهة من الآجر والأحجار.