Get Adobe Flash player

أضواء على كتابة الأُقصوصة أَو القصة القصيرة جدًا

 

 

لما كان زمننا هذا يتميّز بسرعته القصوى، ونظرًا لاتساع مشاغل الناس واهتماماتهم وتزايد متطلباتهم الحياتية، بحيث لم يتبق لهم وقت لممارسة عملية الكتابة أو القراءة إلا في فترات ضيّقة جدًا.

وبالرغم من أن الرواية حلَّت محل الشعر الذي كان «ديوانًا للعرب»، فإن سرعة إيقاع الزمن واستنزاف الناس لوقتهم واستغراقهم في تدبير حياتهم، فقد وجدت أن أنسب لون أدبي يتلاءم ويتماهى مع هذا العصر هو الأقصوصة أو القصة القصيرة جدًا.

يقول توماس. ي. بيرنز: خير للكاتب الهاوي أن يجرّب جناحيه في مجال الأقصوصة لسببين مهمّين، أولهما: أنها سهلة الكتابة، وثانيهما: أنها تقدّم مشاكل صعبة مشوقة، إضافة إلى أن الوقت الضروري لكتابة الأقصوصة لا يساوي الوقت الذي تتطلبه القصة ذات الـ 3000 و5000 كلمة.

لكن الأقصوصة لا تخلو من صعوبة. حيث يتطلب لإيجاز الأقصوصة أن تكون العقدة فيها بسيطة مباشرة، ورسم الشخصيات موجزًا محكمًا مقيدًا بمضمون، والشكل أي الغرض أن يكون بليغًا.

ومن الأفضل عدم استعمال الاسترجاع أي ومضات الماضي (فلاش باك)، وينبغي أداء المعلومات الضرورية حوارًا وبمهارة، وليس ثمة متسع من الوقت لتزويقها بأحداث ماضية.

وعلى الكاتب أن ينتقي عناصر العقدة من وجهة نظر سلسلة الأحداث الضرورية الملازمة لها، وهذا سيجنّب الكاتب المقدّمات الطويلة.

كما يجب أن تتضمّن القصة عقدة يمكن أن تصبح أقصوصة بكل سهولة، وأن يقدّم الكاتب من المعلومات عن الشخصيات ما هو ضروري فقط.

كذلك ننتخب الشخصيات السهلة التطوّر وليس من الضروري أن تكون من النماذج الواسعة، وبكل تأكيد ليس من أناس ذوي عواطف غامضة ومتناقضة، فكلما كانت الشخصية واضحة الحدود كان ذلك أبعث على السعادة حيث اندماجها في الحدث، ولكي تكون الشخصية مقنعة يجب أن تنسجم مع خصائصها فلا تجعل إنسانًا جبانًا ينقلب في الحال إلى مروِّض أسود، كما أن الكلمات المضافة في الأقصوصة هي خروج عن صميم الحدث.

وليكن الدافع على أحداث وتحرّكات شخصياتك جيدًا. راجع قصتك بإمعان من أجل الأحداث التي يبدو أنها (تحدث فقط)، فالقارئ الذي يجب أن يجد كل ما في القصة ناجحًا بصورة واضحة، سرعان ما يكتشف مواضع الضعف فتصبح القصة بأكملها افتعالا. وحاول أن تحرِّك الحدث من داخل الأقصوصة نفسها قدر استطاعتك، ولتبدأ الأقصوصة قريبة من الذروة ما أمكن، فإذا ما شذَّت عناصر الأقصوصة فيمكن لها آنذاك أن تقدّم الشخصية والصعوبة التي تواجهها وخطة عملها وصراعها ثم النصر أو الخيبة، ويمكن بطبيعة الحال أن تكتب الأقصوصة بأن نقدّم أولاً الصعوبة ثم الشخصية بعد ذلك كما في حالة شخص يكافح فيضانًا أو غيره، غير أنه بالنسبة لغرضنا خير لنا أن نقدّم الشخصية.

بداية الأقصوصة أصعب جزء فيها، فالأقصوصة السريعة الحدث لا يتسع وقتها لقائمة طويلة من الإضافات، ويجب ذكر الأشياء التي تخص الشخصية- أحسنها وأقلها- والتي تساعد على التأثير الذي تريده في القارئ.

إن كلمة السر في الأقصوصة هي البساطة والإيجاز لنصيب الهدف مباشرة. إنه ليس الخبير الذي يعرض مجوهراته، إنما هو رجل الصنعة الذي يصقل حجرًا صغيرًا ليكون صلدًا كافي التألق، كريمًا.

ويقول وولتر كامبيل: إن الأقصوصة تجتذب الكاتب الناشئ لأنها أخَّاذة غير مألوفة، نشيطة الحركة. عنصر المفاجأة في نهايتها ينبغي أن يكون واضحًا مبهجًا كما أن الإيجاز ضروري لكنه في الشكل يزيد من صعوبة الأقصوصة.

 

قصص قصيرة جدًا

بقلم/ هيام المفلح

أحوال

بين أولادها: كانت نحلة.

في مكتبها: أصبحت قطة.

في غيابه: صارت لبوءة.

أمامه: غدت ببغاء.

على صدره: تحوّلت إلى فراشة.

وطارت معه إلى الفضاء.

 

استغاثة

بكبرياء جرح صرخت «وامعتصماه»

وما أغاثها أحد!

اعتقدت أن المعتصم غيَّر اسمه

ازدحم صوتها بكل ما تعرف من أسماء

ولم يغثها أحد

«لله تسعة وتسعون اسمًا.. قد

يكون- معتصمي- عبدًا لأحدها»؟

نادت!

«ياعبد الـ...».

انتهت أسماء الله

وما أغاثها أحد.

الجزمة

لماذا الجزمة تحديدًا؟

ولماذا رأسي بالذات؟

ما أعرفه. أن الجزمة مكانها القدم.. لكن

للرأس أماكن كثيرة: بين الذراعين.

فوق مصطبة بائع الخضار.

على (المقصلة). إذًا

لماذا يصرّ مديري على تشبيه

رأسي بالجزمة؟!

قصص قصيرة جدًا

بقلم/ حميد المالكي

اختفاء

انتفض فجأة. اختبأ خلف دار مهجورة، افترش الأرض وراح يحدّق بعيدًا... فوق السحاب، بين النجوم، يفتش بين أنقاض الدار...

نهض وسار، وعند الجدار توقف. انهمر المطر.

أسرع يخبئ جسده، وبين نزيف الماء وبروق السماء اختفى داخل اللمعان.

 

حبيبة من طراز خاص

أشياء لم تكن مدرجة في حسابه ولا في خططه ولم تلامس شجونه أو تنطرح ضمن مسالكه. وجدها صدفة واقترن بها خلسة. وأشيع عنه يومًا بأن ساحرًا بصق بفمه عند الغروب وعفَّر جبهته بالزعفران والكافور وأركبه فوق دابته المريضة بالبرص ومشى وسط أشجار متوحشة، ثم قذف به في الهواء وسقط وسط باحة داره لاهثاً مزروعة به أمور خطيرة.

هكذا كانت والدته تحدّثه كلما ذهب بمهمّة أو عاد منها منتصرًا رافلاً بأقصى درجات البهجة.

كان يافعًا حينما أغرقه العشق وتيّمه الهوى وبات عاشقًا ومعشوقًا لحبيبة من طراز خاص..

 

في الطريق

بعد مسيرة يومين في صحاري الجبال، بين المسالك، وصل قبالة الربيئة، أقدامه متورّمة وأوداجه منتفخة. تمدّد على غصن شجرة عملاقة.. وراح يجوس بنظره منعطفات الواقع وملحقاته وتوابعه قابعًا مترقبًا.. المكان حصين.. والهدوء يضفي عليه هيبة خاصة، ونظره يتوقّد، أوصاله مستنفرة، واستعداده وصل أعلى درجة... وعندما خيَّم الظلام.. وعلى ضوء مصباح الربيئة كان أفراد العدو يتحرّكون ببطء.. وهو يزداد عزيمة.. ومثل لمح البصر انفجرت الربيئة وعاد بسلام.