Get Adobe Flash player

«كاندوفان» الفارسية أغرب المدن في العالم

 

عندما يخبرنا أحدهم أن هناك بشراً في القرن الواحد والعشرين وما بعد الألفية الثانية ما زالوا يعيشون في منازل تشبه إلى حد بعيد بيوت النمل، تأخذنا الدهشة، لنتساءل كيف يستمرون بالحياة بعيداً عن زحمة الحياة المعاصرة، وكيف يعيشون هناك، ولماذا أصلاً بنوا بيوتهم على هذا الشكل، هل الخوف من كوارث الطبيعة، أو قسوة البشر؟ بالطبع هو ظلم بني الإنسان لأنهم وجدوا في الاختباء بين حبات الرماد الصخرية التي حضنتهم في جوفها وسترتهم من البرد القارس كقساوة عيون الجيوش وجحافلها القادمة لغزو أراضيهم وتدمير ممتلكاتهم، الملاذ الآمن الذي يعطيهم لذة الأمن والغذاء والراحة والإستقرار، بعيداً عن أعين الطامعين، فاستقروا بها عائلات وسلالات وما زالوا إلى يومنا هذا يجدون فيها قصوراً فخمة ولو كانت من رمال أو صخور. تعالوا أصدقائي لنبحث سوياً عن كيفية نشوء هذه القرية العجيبة ومن أنشاها؟ هل هي تحدّ بين الطبيعة والانسان؟ أو هي هبة الخالق للمخلوق الذي لا يشكر الله على نعمه ويطلب المزيد دائماً..!!
مدينة النمل (كاندوفان) في إيران
قرية «كاندوفان» في «شميم عشق» وتعرف ب «كما كاران» باللغة المحلية، و«كاندوفان» هي صيغة الجمع ل «كاندو» أي خلية النحل أو مدينة النمل الشهيرة، وهناك تفسيرات أخرى تعود للـ «أفيستا» الزرادشتية، إذ كانت تسمى بالأرض المقطوعة وغير المعروفة، وفي الوقت الحالي هي مسكونة ومن أهم المنتجعات السياحية والشفائية، ورغم أنها تعد نائية لبعدها عن القرى الأخرى والمدن الكبيرة، إذ أنها تقع شمال غرب إيران في شرق محافظة أذربيجان الايرانية وتبعد حوالي 60 كلم عن مدينة تبريز الساحرة في مقاطعة أسكو، ويمر القادم إليها عبر» خسرو شاه» ليصعد إلى سفوح التلال في قاعدة قمم «كوهيه» لجبل «شاهاند»، ثم يسير في طريق وادي «أسكو تشاي» «تشاي أي النهر باللغة التركية» والناظر إليها من بعيد يراها كجوهرة لامعة تتلألأ كالنجوم ليلاً بعد أن وزعت عليها الكهرباء أو قديماً كانت كقناديل غامزة للقادم إليها كملجأ من قسوة ثلجها وبردها القارس الذي يلفحها على مدار السنة حوالي 9 أشهر، أما صباحاً يراها قاصدها مستترة كأعمدة مرتفعة رؤوسها بعمامات مخروطية داخل جوف جبل «شاهاند» الشامخ  بقممه «كوهيه».
كما تعتبر «كاندوفان» جزءاً من منطقة بحيرة «أورميا» التي سكنها الفرس والميديين، حيث سجلت في التاريخ عبر نقش أشوري يعود الى 844 قبل الميلاد أي القرن التاسع ق.م. كما ذكر عن هذه المنطقة ونهضتها في الأفستا الزرادشتية، ودعيت «آشا فان»، )جمع فان( ومعظم أسماء سكانها هي أسماء تركية ويتكلمون اللهجة التركية في الوقت الحاضر، وأسماء إيرانية تعود لعائلات إيرانية تقليدية وقديمة وأهمها «كياني»، حتى أسماء الجبال والأنهار هي أسماء فارسية وتركية، كما هناك أسماء أشورية قديمة لها، ويذكر السكان الحاليون أن عمر قريتهم حوالي 700 سنة، وبأن أجدادهم حفروا منازلهم داخل هذا الجبل الأشم هرباً من جحافل الجيش المغولي الذي كان يحرق القرى ويدمرها على رأس قاطنيها، فلجأوا إليها ككهوف وسكنوها حتى بعد انتهاء الاحتلال المغولي، وتوسعوا بها من الداخل لتتسع  لعائلاتهم، وهناك نصوص تذكر أن مجموعة من الجنود الملتحقين بالجيش المغولي منذ 800 عام، هربوا منه لفظاعة قساواته فحفروا كهوفا لهم داخل هذا الجبل «شاهاند» كي لا يعثروا عليهم!.
كما نقل عن قائد يوناني مقدوني «أنتيجونوس مونوفلاموس 317 قبل الميلاد» أنه واجه الكيشيين في تلك المنطقة مطلقاً عليهم أهل الكهوف. كما ذكر عن «هيرودوت» المؤرخ اليوناني: أن «كورتيوس روفوس» القرن 1م. يصف «ماردينس» إحدى جماعات الفرس الرحّل أنهم قصدوا هذه الكهوف واختبئوا داخلها مع عائلاتهم وحاشياتهم، وبات تقليداً مستمراً حتى اليوم حيث يقصده الأكراد المرتحلون والغجر من بلد إلى بلد للإحتماء من قتلتهم أو خوف اعتقالهم وتشريدهم مع عائلتهم. )المرجع P.103، Anatoli Michailovich Khazanov(.
دلائل علماء الأثار والأنثربولوجيا
أما علماء الأثار والأنثروبولوجيا، يعودون بتاريخ هذه المنطقة إلى أكثر من 3 آلاف عام، حسب ما تدل الأدلة من بقايا عظام ولقى أثرية لشعوب اندثرت أو تعايشت مع المستوطنين الجدد، وهم من الميديين والأشوريين والفرس الزرادشتيين الذي تعبدوا في هذه الكهوف وكانت بمثابة صوامع لعبادة وصلوات متصوفيهم، إذ أول ما ذكر خطياً عن تلك القرية الآرية عند أوائل الزرادشتيين وعرفت ب «جمشيدي فارا»، لمقارنتها بكهوف البارميين الذين يعود تاريخهم إلى أكثر من 10 ألاف سنة، ولتشابهما أيضاً في المناخ من حيث البرد القارس وتساقط الثلوج لأكثر من 9 أشهر، فاستوطنوا آسيا الوسطى تجاه الشرق الأوسط في مناطق البامير، وعرفت بمنطقة فارس نسبة لكلمة «فاراس» أكثر المناطق الباردة، «فارا» الكهوف، كمايعتقدوا بأنه مرّ عليها مناخاً قارس منذ 10 آلاف سنة لم يتخلله أية شهوراً دافئة!.
كهوف مدينة النمل «كاندوفان»
تكونت كهوف جبل «كاهاند» المخروطية الشكل في جوفه، من الرماد البركاني التي تقذفه قممه الإثني عشرة «كوهي»، والتي تصلبت على مدار آلاف السنين )ويذكر علماء الأثار أن عمر الجبل وتشكله يعود لمليون سنة، أو أنه حدث نتيجة انفجار كبير في عصر )الهولوسين( ليشكل ما يعرف اليوم بقرية «كندوفان» لتظهر وكأنها مستعمرة للنمل الأبيض العملاق حيث يبني بيوته وقصوره على هذا الشكل المخروطي، كبيوت أهل الكهف التي ذكرت في القرآن الكريم.
وقدًم هذا الجبل البركاني «شاهاند» الخيرات لأهل هذه المنطقة، لتتكون من فوهته بحيرة ساحرة الجمال وخلابة المنظر إذ تحيطها قمم الجبل الاثني عشر المرتفعة حوالي 3707 متر )162،12قدم( وكأنها حارسة لها من الإنحسار أو الجفاف، كما تتكون منه صخور منصهرة بالمعادن الصلبة التي تتخللها جيوب هوائية- غازية تجعلها صخوراً خفيفة تطفو على سطح البحيرة حيث يأخذها السكان القاطنين في قرية كاندوهان وهي لينة ليشكلوا منها أشكالاً عديدة من أواني وأوعية يستخدمونها والصلب منها يستخدمونه في البناء، أما الصخور الكبيرة هي على شكل مخاريط والتي حفروا بها بيوتهم أو كهوفهم ليعيشوا ويستقروا بها إلى يومنا هذا. لذا جاءت هذاه البيوت عازلة للحرارة، وشكلوا منه أيضاً الزجاج لنوافذ بيوتهم تلك لإدخال النور وبعضاً من أشعة الشمس إليها، كما تكونت من الحمم البركانية صخوراً مزججة فصنعوا منها الخرز بعد أن صقلوها جيداً، وصخوراً بركانية تكورت من التآكل الطبيعي للحرارة البركانية مع قساوة الثلج لتتجمع برؤوسها المخروطية لتشكل أحجية لعلماء الجيولوجيا لتجمعها واصطفافها بمكان ومساحة واحدة وكأنهم حشد من الجموع المتناسقة بأطوالها وقصرها من المقدمة وحتى المؤخرة  ليثير الدهشة والعجب، حقاً إنها لأعجوبة من تكوين الخالق وخيرات نعمه على مخلوقه الانسان. وهذا الجمال الطبيعي الخلاب حدا بالمؤرخين لذكره بالأساطير القديمة أو في الأفستا الزرادشتية )بما عرف بالجنائن المعلقة في بابل أو جنة عدن، أو الحدائق الفارسية «باغس» أي الجنة على الأرض(. كما أعطت هذه البحيرة منافع الشفاء بمياهها الدافئة لحل الحصى في الكلى والمثانة، والنباتات البرية التي تنمو على ضفافها يستفيد منها السكان كأدوية علاجية لأمراض كثيرة تصيبهم، وأصبحت مقصداً سياحياً مهماً لجمالها الطبيعي وللشفاء، إذ يقصدها حوالي 300 ألف سائح سنوياً بينما سكانها لا يتعدون 700 شخص.
المنازل في كندوهان قرية النمل
تتخذ المنازل أشكال الأعمدة المخروطية حيث سكنتها جماعات مؤلفة من عائلات قدمت إليها منذ قرون كما ذكرنا سالفاً لتستقر في جيوبها المكوّرة من مواد صلبة على شكل كهوف مستديرة في الداخل، ويتخذون جدرانها وأرضيتها كحماية عازلة من قساوة برد الشتاء وضجيج المدن لموادها العازلة كلياً، فهي باردة في الصيف ودافئة في الشتاء. وتتألف المنازل من طابقين إلى أربع طوابق ارتفاعاً، ويستخدمون الطابق الأرضي كمأوى لحيواناتهم الداجنة من خراف وماعز وطيور لتؤمن لهم الغذاء على مدار فصل الشتاء القارس من لحوم وألبان وأجبان، والطابقين الثاني والثالث للسكن من غرف نوم وصالات وغيرها، والطابق الرابع مخصص لحفظ الغذاء من حبوب وتجفيف لحوم أو تقديدها أي للتخزين. كما هناك أنفاق داخل الصخور المتباعدة تصلها ببعضها البعض دون الحاجة للخروج إلى العراء في فترة تساقط الثلوج ودرجات الحرارة المتدنية القصوى، وهناك عائلات ميسورة تتخذ الأبراج العليا التي تتعدى الأربع طوابق كقصوراُ لها كذلك تترابط مع البيوت العادية عبر الأنفاق الداخلية. وقد بنيت مساكن حديثة في جوار هذه الجيوب الصخرية البركانية والتي أصبحت منازل مسكونة، كما شيد فندق لاستقبال السياح في عام 2007م. وعرف «روكي» «Rocky Hotel» ويعد من أجمل الفنادق عدا المنتجعات الصحية التي شيدت للاستفادة من هبات البحيرة الشفائية، بعد ان كان أهل القرية يستضيفون السياح في بيوتهم والاستفادة من أموالهم لشراء الملابس العصرية والدافئة.