Get Adobe Flash player

«شم النسيم» طقوس خاصة عند المصريين

 

يحتفل المصريون، في ابريل من كل عام بعيد الربيع «شم النسيم»، وهو احتفال سنوي تخرج فيه العائلات المصرية إلى المتنزهات والحدائق العامة وأماكن الترفيه ويتناولون أكلات مخصصة لهذا اليوم تحديدا الفسيخ والبصل والبيض الملون والخس.
لكن لماذا اختار المصريون هذا اليوم تحديدا للاحتفال بشم النسيم؟ ولماذا تلك الطقوس المصاحبة له كتناول الفسيخ والبيض الملون؟
- الدكتور عبدالرحيم ريحان، الخبير الأثري ومدير عام البحوث والدراسات الأثرية بوزارة الآثار المصرية، يقول إن شم النسيم عيد مصري قديم احتفل به قدماء المصريين منذ عام 2700 قبل الميلاد، وكان يطلق عليه «شمو» باللغة المصرية القديمة، ثم تحرفت إلى شم، وأضيف إليه النسيم، وكانت السنة عندهم تبدأ بعد اكتمال القمر الذي يقع عند الانقلاب الربيعي.
ويوضح د. ريحان أن عيد الفصح اليهودي والمسيحي جاء ارتباطهما بشم النسيم بالصدفة، حيث أخذ بنو إسرائيل هذا الاحتفال عن قدماء المصريين حين خرجوا من مصر مع نبي الله موسى عليه السلام، واختاروا هذا اليوم بالذات للخروج حتى لا يلفت انتباه المصريين مع انشغالهم بالاحتفال بهذا اليوم، واحتفل اليهود بهذا اليوم أيضا، وأطلقوا عليه عيد الفصح، وهي كلمة عبرية معناها الخروج أو العبور، واشتقت منها كلمة «بصخة»، إشارة إلى نجاتهم، وهكذا اتفق عيد الفصح العبري مع عيد شمو المصري، ثم انتقل الفصح بعد ذلك إلى المسيحية لموافقته مع موعد عيد القيامة، ولما انتشرت المسيحية في مصر أصبح عيد القيامة يلازم عيد المصريين القدماء، حيث يأتي شم النسيم يوم الاثنين الذي يلي عيد القيامة، وهو العيد الأكبر عند المسيحيين، ويكون الاحتفال بهذا العيد يوم الأحد.
ويشير د. ريحان إلى أن قدماء المصريين كانوا يحتفلون بعيد شم النسيم في الليلة الأولى أو ليلة الرؤية بالاحتفالات، ثم يتحول مع شروق الشمس إلى عيد شعبي تشترك فيه كل طوائف الشعب، ويشارك الفرعون وكبار رجال الدولة الشعب في أفراحه باعتبار شم النسيم هو العيد الذي تبعث فيه الحياة ويتجدد النبات وتنشط الكائنات وتحمل نسمة الربيع رسالة ميلاد الطبيعة بما تحمله من أريج البراعم النامية وعبير الزهور المتفتحة. ويضيف أن المصريين كانوا يخرجون إلى الحدائق والحقول والمتنزهات لاستقبال الشمس عند شروقها يحملون معهم أدوات اللعب للأطفال والآلات الموسيقية، وتتزين الفتيات بعقود الياسمين، وهي زهور الربيع، ويحمل الأطفال زعف النخيل المزين بالألوان والزهور، ويمرح الجميع على أنغام الناي والمزمار والقيثار ودقات الدفوف تصاحبها الأناشيد والأغاني الخاصة بعيد الربيع، كما تجري المباريات الرياضية والحفلات التمثيلية، وكانت صفحة النيل تمتلئ بالقوارب التي تزينها الزهور وغصون الأشجار المثمرة، وقد نقشت على أشرعتها كلمات الترحيب والتهنئة بعيد الربيع، وتقام الحفلات والندوات في الميادين والأماكن العامة.
أسماك وأعياد عرفها القدماء
- وتقول الأثرية المصرية منى فتحي، وهي كبيرة المفتشين بمعابد الكرنك الفرعونية الشهيرة، إن «إسنا» التاريخية الواقعة جنوب محافظة الأقصر (721 كلم جنوب القاهرة) كانت أول مدينة تعرف صناعة الفسيخ بالتاريخ، وذلك ضمن طقوس احتفالاتهم بعيد «الشمو» والمعروف اليوم باسم «شم النسيم».
وكان المصريون القدماء يستخدمون سمك قشر البياض في إعداد الفسيخ، وتعد إسنا من المدن الشهيرة في صناعة وتقديم الأسماك المجففة كقرابين للآلهة داخل المعابد، حتى صار هذا السمك رمزا للمدينة في العصر البطلمي وصار اسمها «لاثيبولس» أي مدينة سمك قشر البياض. تواصل الباحثة منى- عدة أنواع من الأسماك التي رسموها على جدران مقابرهم مثل سمك البوري والشبوط والبلطي والبياض، كما عرفوا البطارخ منذ عصر الأهرام.
وكانت مظاهر الاحتفالات بقدوم الربيع تقام دائما على ضفاف النيل ووسط الحدائق والساحات المفتوحة، وهو الأمر الشائع لدى جموع المصريين حتى اليوم.
- بينما يقول الباحث المصري إميل  نظير أن الربيع الذي يغير معالم ما بين الفصول كان عيدا عند المصري القديم لارتباطه بالشمس والنهر، ولذلك كان القدماء يتناولون فيه السمك والبصل والبيض. وصارت تلك المأكولات مظهرا ثابتا من مظاهر الاحتفالات بأعياد الربيع منذ نهايات العصر الفرعوني وبدايات العصر القبطي، وبات تناول تلك الأطعمة من العادات الباقية حتى اليوم.
عادات متوارثة
ويقول صاحب مصنع الفسيخ عبد  العزيز فهمي إنه توارث المهنة «أبًا عن جد»، مشيرا إلى أنه أنشأ مزرعة سمكية متكاملة على أعلى مستوى، وبها جميع مقومات العمل من زراعة السمك وتربيته، بالإضافة إلى صناعة وتعبئة وتدخين الأسماك (طريقة لحفظ الأسماك بالتدخين).
وعن تاريخ صناعة «الفسيخ» يقول عبد العزيز إنّه يرجع لعصر قدماء المصريين الذين كانوا يجففون الأسماك، وكان يُسمى حينها «سمك مقدد»، ثم يأخذونه معهم في الحروب لأنه لا يفسد بمرور الوقت، ويتم تقديمه كوجبات للجنود.
وتاريخيا، كانت عادة الاحتفال بأعياد الربيع، فكان المصري القديم يبدؤها بمهرجان شعبي مع طلوع شمس اليوم، وما يزال ذلك موجودا حتى الآن، لكنه تحول لخروج الأسر للمتنزهات والحدائق العامة، واصطحاب الأطفال لحدائق الحيوان، وتلوين البيض، وتجهيز «الرنجة والفسيخ» والبصل والسردين والليمون، وغيرها من أطعمة شم النسيم.