Get Adobe Flash player

«تينبكتو - مالي» قبلة العلماء..تراثها في خطر

 

 

 تمبكتو عاصمة «مالي» أطلق عليها عدّة أسماء «بلد الثلاثة والثلاثين وليًا صالحًا», «مدينة الغموض», «مدينة الملح والذهب», «قبلة العلماء», «محجّ ومزار السوّاح من كل العالم»، وأخيرًا «مدينة الدمار والإرهاب».

«تمبكتو»: عُرفت بهذا الاسم تيمّنا بالعجوز «بكتو» التي أضاف إليها سكان المنطقة لفظ «تين» بلغة التماشق، أي الملكية، لتصبح «تينبكتو» أو «تن بكتوان»، أي حافظة الأمانات والودائع, حيث كان التجار القادمون للمنطقة يأمنون على ثرواتهم وحاجياتهم الغالية ومؤونهم لديها، ويخزّنونها عندها لفصل الشتاء إلى حين عودتهم من تجارتهم وحصد مواسمهم الزراعية بعد انتهاء فصل الصيف.

«تمبكتو»: من أهمّ المواقع الاستراتيجية في أفريقيا, فهي حلقة الوصل التجارية بين غرب أفريقيا وشمالها.. وشعوبها من الحواضر التي عُرفت كهمزة الوصل التي تربط السودان الغربي بالصحراء الكبرى, وهي ملتقىً لتجار الملح والذهب القادمين من «تودني» منذ 1080م، حيث كان «نهر النيجر» أهمّ مصدر ملاحي للتجارة بالملح، وترويج سلعهم، والانتقال إليه صيفًا ليخزّنوا انتاجهم منه، والتزوّد به في فصل الشتاء في «تين بيكتو»، والتي تعدّ أيضًا من أهمّ المدن التي تخفي في أعماقها الثروات المعدنية، وأهمّها الذهب، والذي تحوّل إلى مصدر مالي لا ينضب, وبوابة الصحراء الكبرى للتجار لتبادل تجارتهم والغرف من مناجم «بوري» الذهبية مقابل سلعهم الغالية الثمن, الأمر الذي أدّى إلى ازدهار المدينة وعمرانها، وقدوم القاصي والداني لاستكشاف كنوزها الذهبية والعلمية، نظرًا لما يتمتع به شعبها من ثقافات متنوعة, سنتحدّث عنها في سياق بحثنا هذا، والتي دعت القوّات الفرنسية اليوم لاستعادة أمنها، لما تشكّله من أهمّية لموقعها الاستراتيجي في أفريقيا.

سكان مدينة «تين بكتو»

هاجر الكثير من القبائل وبطونها إلى تمبكتو, فمنهم من قدم من أقصى الشمال الأفريقي, ومن القبائل العربية المهجّرة من الأندلس, ومن الغرب الأفريقي, وأسّسوا اتحاديات لمملكات وإمبراطوريات حكمت عقودًا, وكانت هذه الاتحادات ثلاث: اتحادية كنتة, اتحادية المغرب وموريتانيا والأنصار, واتحادية البرايش, تترأس كلّ اتحاد قبيلة لها أتباعها والموالين والحلفاء, كما حكم تلك البلاد بعض القبائل الإدريسية وغيرها من قبائل الأشراف المستقلة عن هذه الأحلاف، عرفت هذه القبائل بالطوارق، ومنهم أيضًا قبائل أهمّها: «أولمدن والهغار», وإفوغاس» من أصل إدريسي وطارقي, و«إدنان», و«إمغاء» وغيرهم من القبائل ذات الأصول العربية, وأصول الأمازيغ البربرية «الأهغاز», و«إموهاغ», و«إموشاغ».

كما توالت على حكم «مالي» عدّة إمبراطوريات: «السودان السونغاي», و»إمبراطورية الفلاني», و«الإمبراطورية الإسلامية المغربية» من السعديين الذين ينتمون للسادة الأشراف من آل البيت والرسول محمد عليه الصلاة والسلام, وكان يدعى لهم بالصلوات من على منابر المساجد, واستمر حكمهم من القرن التاسع الهجري وحتى الاستعمار الفرنسي لمعظم الدول الأفريقية.

< «مملكة السونغاي»: حكموا مناطق جنوب وشرق مالي، وكانت عاصمتهم «تينبكتو» قبل الاستعمار الفرنسي, سلاطينهم: سلطان السونغاي, والسودان الفلاني.

< «سلطنة كنتة» والأنصار, التابعتيْن لحكم السعديين «الهاشميين» قبل دخول المستعمر الفرنسي.

< وقد تعرّض سكان هذه المدن للجفاف والتهجير القسري والرحيل بحثاً عن الأراضي الزراعية بسبب القحط والجفاف الذي أصاب أراضيهم من جرّاء الاحتباس الحراري, وحقبة حرق الوقود الأحفوري الذي هدّم البيئة, والتي كانت أراضي زراعية خصبة تعتمد على الرعي والزرع, كما تعرّض أهلها للتهجير من جرّاء العنصرية التي رافقت حكوماتها, حيث تعرّضت لقبائل البيض من العرب والطوارق في حروب، وفرضت عليهم حظرًا اقتصاديًا لمحاصرتهم ليضطروا للعودة إلى المناطق التي أتوا منها، ومنهم إلى الجزيرة العربية، وربما بسبب نهب هؤلاء لأراضيهم على مدى قرون, ممّا اضطر السكان الأصليين للشعور بالظلم وتهديد وجودهم ليتحوّلوا إلى حركة عنيفة ظالمة تحرق الأخضر واليابس، كما يحدث عادة عند أي احتلال للمستعمرين, والعنصرية التي سادت قبلا ضدّ السود, حيث انفصلت عرقيًا عن «تينبكتو» التي يقطنها العرب البيض, وهمّشتها حكومتهم برئاسة «أمادو توماني» والذي تعرّض للقتل بالموجة الأخيرة بعد انقلاب عسكري من جماعات إسلامية متشدّدة ومتطرّفة لجأت إلى العنف المتبادل في حروب طائفية وعنصرية أدّت إلى تهديم أهمّ أضرحة الأولياء الصالحين الثلاثة والثلاثين, بسبب الحقد والكراهية، إضافة للجهل بقيمة الأثر باختلاف انتمائه للأديان السماوية أو الحضارات القديمة، كما حصل في «أفغانستان»، حيث هدمت حركة «طالبان» الأصولية معابد «بوذا» وتماثيله، والتي تمثل حضارتيْ الصين والهند، والتي ما زالتا قائمتيْن إلى اليوم، وذلك بسبب جهلهم في معرفة فلسفة وعلوم تلك الحضارة، ممّا اضطر العالم اليوم ليتأهّب- خلال هذه الحروب الثورية المفاجئة وما يحصل خلالها من تدمير أعمى- لحماية هذه الآثار الحضارية في «تين بكتو» التي نهضت بأفريقيا لتصبح معلمًا ومنارة تضيئها. حتى  المستعمر الفرنسي القديم رغم سرقته لآثارها إلا أنه حفظ معظم تحفها الأثرية في متحفه العريق «اللوفر».

قبلة العلماء وخبراء التراث الإنساني العالمي

لفتت تلك المدينة العابقة بالتراث العلمي والأدبي إلى جانب الصرح الهندسي الديني اللافت بعبقرية هندسته وجمالية زخرفة المساجد والمدارس والأضرحة لأوليائها الصاحين, علماء الشرق والغرب للقدوم والتعرّف على مكتباتها الزاخرة بأهمّ مخطوطات العلوم والآداب التي خلّفها دعاتها الصوفيون, وعلماؤها الدينيون وأدباءها والذين قدموا إليها كصوفيين داعين للإسلام بقوّة الكلمة والمحبّة والسلام، لا بقوّة السيف الذي تبعد عنه الداني والقاصي, فالتف حولهم الكثير بالهداية لدين الله الواحد، وعبادته بتقشف وخشوع، دون تفرقة بالجنس أو العرق أو اللغة أو الدين، فعاشوا بتناغم وسلام مع كلّ الطوائف الموجودة من الديانات السابقة المسيحية واليهودية, وجمعوا علومهم تحت كنف أهم المكتبات التي رعاها حكامها العادلون لفترة عرفت بالنهضة العلمية والدينية والأدبية، فتحوّلت هذه المدينة إلى جنة خضراء بمواردها الزراعية وثرواتها الطبيعية- خاصة الذهب- إلى جانب غناها بالآثار التي تظهر تطوّرها الحضاري بتنوّع الثقافات والديانات فيها.. فتحوّلت إلى مزار ومحجّ ديني للطوائف الإسلامية، ومركزًا سياحيًا للاطلاع على تلك الحضارة من الشعوب الأخرى، رغم تدميرها من قِبل المستعمر الفرنسي بسبب الحروب بينه وبين شعبها، إلا أنها عادت لترمّم ما هدم، وتنهض من جديد، أمة واحدة يسكن أرضها الجميع.

حكم الإمبراطور «سونجاي» الراعي للمعرفة

حوّل الإمبراطور سونجاي «تين بكتو» مدينته إلى منارة تضئ القارة السوداء بعلومها وأتقيائها, في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلادي, واستقدم لأجلها الكتّاب والأدباء والعلماء والمترجمين وطالبي العلم من كل بلاد العالم، حتى بدت قبلة المغرب العربي تستقبل أكثر من 25 ألف طالب علم سنويًا، لتنعش بلاد الأندلس وجوارها بعلومها الدينية والدنيوية والقانونية والطبّية والكيميائية والرياضيات والآداب وعلومها, والفلسفات الكلاسيكية وترجمتها, وكذلك جمع الكتب السحرية التي تتحدّث عن مملكة السحر «سونجاتا» والكثير من الممالك الأفريقية في (1320-1545م) والتي أتلف معظمها، إلى جانب أهمّ المخطوطات التاريخية والتراثية بسبب الجهل والعقول الخرقاء التي لا تقدّر معنى المعرفة والعلوم.

واستمرت مملكة «سونجاي» بازدهارها حتى انهيار تلك الإمبراطورية على أيد قبائل أخرى، أعاد الحاكم «أكسيا داوود» (1548-1583م) تشييد المكتبات العامة في مملكته، وبنى إلى جانبها المساجد والأضرحة والتكيّات والمدارس, كما قامت العائلات من الأشراف والتجار الكبار ببناء معهد للعلوم باسم القاضي «أحمد بابا» (1556-1627م) والذي نبغ بعلومه وآدابه في «تين بكتو» والذي حوت مكتبته أكثر من 20 ألف مجلد ومخطوط من العلوم المتنوّعة، وأعاد المجد التراثي لتلك المدينة من جديد وازهارها الديني والعلمي والأدبي والتي عرّفتها «اليونسكو» بكنوز «تين بكتو», وكثروة تراثية تاريخية عريقة لمدينة إسلامية عمرها أكثر من ألف عام, رصّعت القارة الأفريقية بنجوم علمائها وأتقيائها وبشتّى العلوم، حتى غدت محطة علمية ومحجّا دينيًا لكلّ العرب القادمين من شبه الجزيرة العربية ودول المغرب العربي, ومنهلاً علميًا وأدبيًا لكلّ المستشرقين والعلماء والباحثين والمستكشفين الأوروبيين, ومحطة تجارية لكل القادمين للتجارة والمال من أفريقيا وآسيا وأوروبا.

تراث «تين بكتو»

تحتفظ مكتبات «تمبكتو» بـ 100مائة ألف مخطوط موثق, كما تحتوي مكتبتا مدينتي «سيجو» و «جوا» على 900 ألف مخطوط, وتعتبر هذه المدن الثلاثة من أهمّ المراكز العلمية الإسلامية حسب ما عرّف عنها المستشرقون والمستكشفون الذين قدموا لها في القرن التاسع عشر, ودرسوا تلك الحضارة عن كثب بكتبها وعمرانها وشواهدها الأثرية وأهلها الطيبين والمنفتحين على كلّ الشعوب لتمازجهم الثقافي.

وكان أهمّ هؤلاء القادمين والمستكشفين الباحث الفرنسي «رينيه كاييه», والألماني «هنريتش بارت», و«فيليكس دو بوا» الفرنسي, والمستكشف الاسكتلندي «مونجو بارك»، والذين عرّفوا العالم الغربي بتلك المدن وأهمّيتها الثقافية بجرأة الكاتب الحرّ بالتحدّث عن مساوئ المستعمر الفرنسي وكيفية نهبه للقاها الأثرية وكنوزها العلمية لتوضع في متاحف أوروبا ونيويورك طمعًا بالثراء المالي والفكري والثقافي, كذلك التحدّث عن تلف بعض المخطوطات التاريخية التي تتحدّث عن ممالك أفريقية حكمت بأيد القبائل الرحّل وفي حروبهم القتالية التي عرّضت- قصدًا- تلك المكتبات للحرق والتدمير, من قِبل عصابات سرقة الآثار الموجّهين من قِبل جماعات سرّية، والتي تستغل الحروب والثورات الأهلية لسرقة الآثار والكنوز التراثية، إلى جانب محوها الآثار المهمّة التي تسجّل التاريخ السيء لهؤلاء, أو تخفي معلومات قيِّمة تهمّ التطوّر الحضاري وتظهر التنوّع الديني والثقافي الذي هو أساس البناء الحضاري وحجرًا هدّامًا في وجه التعصّب والتخلّف الديني والعنصري.

ابن بطوطة العربي

كان ابن بطوطة (1304- 1369م) من أوائل المستكشفين من الرحّالة العرب الذين قدموا من المغرب العربي إلى «مالي» وحلّوا في مدنها وأهمّها «تين بكتو»، وعرّف العالم العربي والاسلامي عنها, ودوّن عن معارفها العلمية والأدبية وتراثها من المخطوطات المهمّة وعن مناجمها من الذهب ومصادرها التجارية من الملح, مؤرّخًا بذلك لهم حقبة ازدهارية ناشطة للمعرفة والعلوم الموثقة في مكتبات تاريخية تنحني لها اليوم دور العلم إجلالا معرفيًا.

ومن خلاله قدم المسلمون الصوفيون ليبشروا بالإسلام بالمحبة والهداية ونشر الفلسفات الإسلامية والمعرفية، حيث انتشر لتتسع رقعته إلى معظم الدول الأفريقية من السنغال, وغانا, وغينيا, ونيجيريا, حتى أصبحت «تين بكتو» مدينة متميّزة بتنوّعها بتمازج حضاري من العرب والأفارقة والمسلمين والديانات السماوية الأخرى (المسيحية واليهودية) التي تواءمت مع تلك الشعوب وتعايشوا تحت صرح الثقافة والتحضّر الذي يجمعهم, رغم وجود القبائل الطوارقية التي أسّستها للسكن في القرن التاسع الميلادي, إلا أن الفضل يعود لثلة العلماء والفلاسفة والتجار العرب من كلّ الطوائف الذين قدموا إلى مالي، وعملوا على تقويتها ملاحيًا وتجاريًا وعلميًا لتتحوّل إلى أهمّ موقع استراتيجي في أفريقيا منذ القرن التاسع, والذي بلغ أوجه من القرن الحادي عشر وحتى  في أواخر القرن السادس عشر، وذلك بسبب رعاية حكامه ذوي أرباب العلم والفقه والأدب، حتى مرّ بمراحل انهيار ونهضة في القرن السابع عشر لتتحوّل مدنه فيما بعد إلى مطمع مهمّ للمستعمرين الذين قدموا، وعلى رأسهم الإمبراطورية الفرنسية للاستيلاء على كنوزها الذهبية والتجارية والعلمية.

مساجد وأضرحة «تيمبكتو»

لعبت المساجد في «تيمبكتو» دورًا تعليميًا وثقافيًا إلى جانب دورها الديني على غرار جامع الأزهر في مصر, والجامع الأموي في دمشق, والجوامع الإسلامية في ماليزيا وتركيا وإيران والمغرب العربي, وعرف بالتعليم المسجدي الذي جمع بين الفقه والثقافة الإسلامية, كذلك تعاليم طرق الصوفية إلى جانب علم الفلسفة للصوفيين الذين أرسلوا علماءهم وشيوخهم وأعلامهم الدينيين والصوفيين أمثال «أبو العباس أحمد التيجاني, ويحيى وعمر, وعبد القادر» وغيرهم من الأولياء الصالحين إلى افريقيا، وخاصة «تين بيكتو» لنشر تعاليم الإسلام بالسلم والمحبة والهداية وبأسس علمية دينية, كما لعبت الطرق الصوفية دورًا في نشر الدين الإسلامي بسرعة في معظم الدول الأفريقية، وخاصة في غربها وشمالها, وبنوا العديد من المزارات الدينية والمقامات والزوايا والتكيّات والمدارس الصوفية، إلى جانب تشييد الأضرحة للأولياء الصالحين، والتي بلغت 33 ضريحًا ومقامًا، والتي قام التكفيريون من حركة «أنصار الدين» من الأصوليات المتشدّدة في المدّة الأخيرة بهدمها جميعها، وتهديم أهمّ مركز أثري ديني إسلامي يعود لأكثر من 1500 عام، وذلك في بدء العقد الثاني من الألفية الثانية أي في أبريل 2012 وصولاً لسبتمبر 2012م, محطّمة بذلك أهمّ حقبة إسلامية عرفت بازدهار العلم والتقوى فيها.

وقد وصل بناء المساجد في تمبكتو قبل الاستعمار الفرنسي إلى تسع مساجد أهمها:

1- مسجد «سيدي يحيى التادلسي»: شيّده محمد نقي الذي ينتمي إلى قبيلة «آجر الصهناجية» في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي.

2- مسجد «سنكري»: تمّ بناؤه على يد القاضي العاقب في سنة 986 هجرية بعد بناء المسجد الكبير واكتمل تشييده بعد ثلاث سنوات.

3- جامع «تين بكتو الكبير»: وهو أقدم وأكبر مساجد المدينة والمنطقة, أشرف على بنائه وهندسه وصمّمه المهندس الأندلسي الشهير «أبو إسحق إبراهيم الساحلي المعروف بالطويجين», شيّد في القرن الثالث عشر الميلادي أي حوالي سنة 1325م ، وكان متواضعًا حتى جدّده السلطان المالي «الحاج منسا موسى» (1307-1332م) الذي سكن «تينبكتو» بعد عودته من مناسك الحج في الجزيرة العربية, وأعجب بازدهارها التجاري والمالي والفكري, وعمد إلى بناء المراكز الثقافية والدينية والعلمية إلى جانب المساجد, وأقام فيها وبنى له صومعة للتعبّد والصلاة لله الواحد, كما بنى الكثير من الصوامع والأضرحة للأتقياء الصالحين.

صرخات «اليونسكو» بالعالم لحماية الإرث الثقافي لـ «تين بكتو» المدمّرة

سُجّلت آثار مدينة «تينبكتو» أو «حافظة الأمانات والتراث النادر» ضمن قائمة التراث الإنساني العالمي منذ 1988م في اليونسكو, كما اعتبرت عاصمة للثقافة الإسلامية في 2005م، كما أدرج إلى جانبها ثلاثة مواقع أثرية في مالي على لائحة التراث العالمي لليونسكو, «ضريح آسكيا في غاو», و»مدينة جانا القديمة قرب مدينة موتبي», و«منحدرات دوغون».

وقد تعالت صرخات المثقفين من كلّ أرجاء العالم عبر هيئات ثقافية وعلمية ومحافظة على التراث وهيئات رسمية لحماية آثار «تين بكتو» من همجية الحروب والنزعات الطائفية والعرقية، وطالبت بردعهم بأي وسيلة منعًا لامتداد تدميرهم لبقية المدن الأثرية، وصفها مدير القسم الأفريقي في اليونسكو «لازاري ازومو» بأنها أبشع الجرائم ضدّ التاريخ الثقافي الأفريقي في عصر التطوّر الحضاري للقرن الواحد والعشرين, ورغم جهود العلماء والباحثين وأمناء المكتبات والمثقفين والسكان المحبّين والمؤمنين بقيمة المخطوطات التاريخية والعلوم الشتّى لكلّ الأديان السماوية المسلمة واليهودية والمسيحية بحماية بعضها أي حوالي 8 آلاف مخطوط, مشكّلين سدًا منيعًا في وجههم بأجسادهم أمام مكتبة ومعهد «أحمد بابا» الذي يحتوي على أكثر من 20 ألف مخطوط, إلا أن يد هذه الحركة الأصولية واتباعها الجهلاء استطاعوا تهديم وحرق الكثير بل الآلاف من هذا التراث العلمي والأدبي العريق, ومصير أكثر من 300 ألف مخطوط في المكتبات الأخرى مازال مجهولاً, واعتبرت «اليونسكو» هذا التراث الثقافي ركنًا مهمًا في إعادة بناء السلام في مالي.

ودعت المديرة العامّة لليونسكو «إيرينا بوكوفا» في منتصف يناير 2013م القوّات المسلحة المالية والفرنسية إلى التدخّل السريع لحماية التراث الثقافي في «تين بكتو» من أيدي البرابرة الإسلاميين المتشدّدين، والذين مازالوا يمعنون في التدمير والحرق للأضرحة والمساجد والمكتبات الأثرية بحجّة الإيمان المستتر بأهداف عنصرية واضحة, كما طلبت من الأهالي حماية هذا التراث والتصدّي للإرهابيين بكلّ قوّة, كما زوّدت القوّات العسكرية بالخرائط الطوبوغرافية للمواقع الأثرية والمكتبات الموضوعة على لائحة التراث العالمي لليونسكو، لحمايتها ومنعها من الهدم أو الحرق أو نهبها من عصابات الآثار المتواجدة في كلّ ثورة أو حرب أهلية أو حركة قتالية، كذلك أكّد رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الاتحاد الروسي عبر ممثله في أفريقيا «ميخائيل مارغيلوف» على ضرورة مناقشة تدمير آثار مالي في مجلس الأمن الدولي، وشجبها وإرسال قوّات لحمايتها، واعتبرها بأنها عمل وحشي، مدّعيًا أن هذه الحركات الإرهابية استولت على السلاح بعد سقوط القذافي من مخازن الأسلحة والتي تركت دون مراقبة دولية لنهبها.

إنها ظاهرة خطيرة، تدمير الآثار والتراث الثقافي في كلّ المناطق التي نشأت فيها الحروب والثورات، وظهور تلك الحركات الإسلامية المتشدّدة، والتي مازالت أهدافها غير واضحة سوى تدمير آثار تاريخية عمرها آلاف السنوات وبشكل منظّم وبعناوين مختلفة.

إنها مسألة تثير الانتباه إلى ضرورة الالتفات نحو مَن وراء هذه الجماعات، ولماذا يريد إخفاء معالم كلّ الحضارات السابقة عن الوجود، منذ وصول «طالبان» لأفغانستان في القرن العشرين, وتدميرهم تماثيل «بوذا» الأثرية لحضارة بوذية عمرها آلاف السنوات، ومازالت مستمرة في الإيمان بها معظم شعوب الهند والصين, وبعدها الاحتلال الأمريكي للعراق، ودخول مافيا تهريب الآثار إليه للنهب من المتاحف التي تحتوي آثارًا وتحفًا تعود لخمسة آلاف سنة، لحضارة بلاد ما بين النهرين من السومرية والآشورية والبابلية والأكادية والفارسية والمسيحية واليهودية والإسلامية، من عصابات الآثار وإخفاء مخطوطات قيّمة، وإعادة بعضها للدولة اليهودية الإسرائيلية، وقد ذكرت هذا في بحثي السابق عن «سرقة الأثار المنظّمة» فيها وفي سوريا التي تغصّ متاحفها بالآثار القيّمة، وتدمير آثارها الإسلامية والمسيحية والرومانية والدينية الأخرى.

من أجل كلّ هذه التعدّيات على الآثار والتراث الحضاري أدعو- كباحثة في الفنون والآثار- منظمات المحافظة على التراث العالمي ومنظمة اليونسكو إلى الطلب من مجلس الأمن وضع قوّات عسكرية خاصّة لحماية الآثار في الدول التي تعجّ بها الآثار، خاصّة تلك التي تحدث فيها حروب أهلية أو ثورات بعناوين مختلفة، وتحسّبًا لأي ثورة مفاجئة، والتي تتسلّل عصابات مافيا الآثار والمنظمات السياسية المجهولة من خلالها لسرقة أهمّ تحفها الأثرية، وتدمير أهم معالمها الأثرية.. وربما الآتي أعظم.